#Algeria Return to #Ghardaia where it’s Hard for Peace to take roots
روبورتاج: عمر شابي
تقاسم مساء الخميس الماضي عرب و ميزابيون الوادي الذي يشق مدينة غرداية لإقامة مقابلات في كرة القدم، مثلما كانوا يتعايشون منذ أكثر من عشرة قرون جنبا إلى جنب. تحت حراسة قوات الشرطة و الدرك المرابطة على جنبات الوادي في منطقة ثنية المخزن، تبارى فرسان في ترويض خيولهم بين فريقين من العرب و الميزابيين كل منهما يلعب مقابلة في كرة القدم تحت أنظار جمهوره. كان اليوم عطلة عيد المولد النبوي، و الحركة لم تكن كثيفة.
في الليلة السابقة كان عرب و ميزابيون قد احتفلوا معا في مسجد عثمان بن عفان في بلدية العطف على بعد 6 كيلومترات عن وسط مدينة غرداية بعيد المولد النبوي و سلموا الجوائز لحفظة القرآن من الفئتين و من الجنسين. توالى الخطباء خلال الحفل الذي حضرته النصر يحثون الناس على التسامح و التعايش و إصلاح ذات البين و لم يغفلوا الثناء على قوات الجيش الوطني الشعبي و قائد الناحية العسكرية الرابعة الجنرال شريف عبد الرزاق المشرف على إدارة الأمن في غرداية منذ أحداث الفتنة الأخيرة قبل أربعة أشهر، بقرار من رئيس الجمهورية.
تسلم قائد القطاع العملياتي لغرداية شهادة تكريم باسم قائد الناحية، و أصر الميزابيون و العرب بصوت واحد على ضرورة تمتين و تعزيز ما تحقق من سلم و أمن في وادي ميزاب قائلين أن الفتنة التي عصفت بحياة العشرات و خلفت أضرارا جسيمة في ممتلكاتهم و تجارتهم لا مكان لها في صفوفهم، و طالبوا بتمديد فترة إشراف قوات الجيش على تسيير الوضع الأمني في المنطقة، حتى يترسخ السلم.

دخلنا غرداية مساء الثلاثاء الماضي فوجدنا مدينة تختلف كثيرا عن تلك التي زرناها قبل عامين في أوج المواجهات العنيفة بين السكان من المالكيين و الإباضيين، و قتها كانت مختلف الأحياء التي يقطنها العرب أو الميزابيون مسرحا لعمليات عنف و تخريب متنوعة و كانت المنازل تحترق، و الناس يتخوفون من هجومات ليلية يشنها شبان بقنابل المولوتوف الحارقة، و يبيتون في أماكن بعيدة عن منازلهم، لكن هذه الصورة السوداء تغيرت الآن كثيرا، و الناس لا يريدون تذكرها محاولين طرد كوابيس عاشوها، طيلة سنتين و تكررت متقطعة حتى شهر أوت الماضي حينما اندلعت مواجهات عنيفة في بريان و القرارة و غرداية ذاتها، سقط خلالها عشرات الضحايا من الطرفين، استدعت فرض الأمن بطريقة مختلفة عن الطريقة السابقة، و تولى الجيش الإشراف على العملية.
حركية كثيفة في المدينة ليل نهار
هدوء غرداية اليوم يبرز من خلال الانتشار القوي جدا لمصالح الأمن الشرطة و الدرك و الجيش في كل النقاط و على مختلف المحاور، داخل الأحياء السكنية في المناطق التي يسكنها العرب و داخل قصور بني ميزاب، في السابق كان التواجد الأمني كثيفا في نقاط التماس و مسرح المواجهات. لكنه الآن يشمل كل الجهات بداية من محور الطريق الوطني رقم واحد عند مدخل حاسي الرمل و على طول الطريق حتى الدخول إلى المدينة، التي تعرف حركية كثيفة ليلا و نهارا و كأن سكانها يريدون استدراك ما ضاع منهم في أيام الفتنة.
محطة نقل المسافرين لا تتوقف بها الحركة و الحافلات القادمة من شتى الولايات تدخلها ليلا و تغادرها بعد توقف قصير في رحلة عبر الصحراء نحو ورقلة و تمنراست و إليزي و إلى الشمال تجاه العاصمة و تيارت و الشلف. مجموعات الشباب تتسامر في مناطق متباعدة من المدينة و حركة السير كثيفة يقوم رجال شرطة بتسيير الحركة بينما زملاؤهم يؤمنون المكان و يراقب رجال الدرك الوضع في نقاط حساسة، أما عناصر الجيش فموجودون بصورة أقل في نقاط استراتيجية فقط.
تتجلى الصورة الجديدة لمدينة غرداية أكثر في النهار، فالسوق الممتد على طول الشارع حيث توجد المحكمة و البلدية و الولاية و مجموعة الدرك، لا يمكن السير فيه بسهولة، زحام و حركة دؤوبة و تجار يعرضون سلعهم بنشاط و يسعون لجلب الزبائن بإغراءات التخفيض في الأسعار أو الحديث عن جودة المنتجات، و في نهاية الطريق ولجنا رحبة السوق عند مدخل قصر غرداية حيث عادت الحياة إلى قلب مدينة كانت قبل اليوم ميتة. يعرض التجار الميزابيون سلعهم و موادهم المختلفة، بانشراح و البسمة على وجوههم و كأنهم يرحبون بعودة الحياة مع الزبائن الذين افتقدوا وجودهم في الرحبة طيلة ما مضى من عمر الفتنة. يبيعون و يشترون و يتبادلون الأحاديث بينما الأطفال يقفزون السلالم الحجرية صعودا نحو مسجد غرداية العتيق، الذي لم ندخله مساء الأربعاء لكون فرقة المرشدين غائبة، قيل لنا أنها ستفتح المكتب الخاص بها في مدخل القصر بعد صلاة العصر، كان الناس يتهافتون على اقتناء لوازم الاحتفال بالمولد.

أخذنا طريق الغابة و كانت قبل الآن خطرة على المارة بفعل المواجهات التي شهدتها في نقاط تماس بين الفئتين، لكنها اليوم تحت الحراسة الأمنية من أقصر الطرق نحو طرف المدينة، عبرنا حواجز الشرطة و الدرك بسهولة و بعد حاجز للجيش عند مدخل الغابة حيث إلى اليمين تنتشر مزارع و بيوت الميزابيين، انعطفنا يسارا فكانت مجموعات من شبان الأفارقة السود تسير نحو ضاية بن ضحوة المنطقة التي يقطنها العرب، عند مدخلها تمركزت قوات كبيرة من الدرك الوطني و في الساحة الرئيسية كان الناس يرتشفون الشاي تحت أشعة الشمس و المحلات في الجهة المقابلة تعج بالحركة.
شاب أفريقي من مالي كان يحمل كيسا بلاستيكيا به خبزتان و قنينة مشروبات غازية، بينما كان زميله يركب دراجة هوائية و يحتضن أمامه قارورة غاز بوتان، قيل لنا أن هؤلاء الأفارقة يعملون في ورشات البناء المنتشرة بكثرة في ضواحي غرداية و في داخل الغابة، بعضهم وجد سبيلا لكسب لقمة العيش بعرقه بينما البعض يحلمون بالسفر بعيدا.
أفارقة يشتغلون في البناء وينالون الثناء

أثنى الميزابيون على الرعايا الأفارقة العاملين بغرداية في مجال البناء و قال لنا عيسى الذي رافقنا مع والده في اليوم الموالي، حين مررنا بفريق من أربعة «سودانيين» هكذا يسمون القادمين من مالي و النيجر و بقية دول الساحل كانوا يصبون الخرسانة في جدران بناية على الصخر، أن لهؤلاء الأفارقة قوة رهيبة على العمل الشاق و قد وجد فيهم سكان غرداية أحسن معين على الإسراع في بناء بيوتهم، و على طول الطريق كانت بنايات متجاورة عديدة في طور الإنجاز، إلى جانبها محلات بيع مختلف مواد البناء، في مؤشر على عودة الحياة الطبيعية و انتعاش حركة البناء و التعمير. غرداية التي كان سكانها يخافون من دخول بيوتهم، صارت اليوم ملاذا آمنا لعشرات النازحين الأفارقة الذي يفترشون الأزقة الضيقة فيها و أرصفة الطرقات، يمتهنون حرفا متنوعة، و يقومون بنشاطات متعددة، و يقدمون خدمات لا يقوم بها أبناء المدينة من عرب و ميزابيين، لكنهم نادرا ما يتسولون في الشوارع مثلما يقومون به في مدن أخرى. يتجمعون مساء عند مدخل محطة المسافرين يرتشفون الشاي و يتبادلون الأحاديث فيما بينهم و عبر هواتفهم النقالة بلغاتهم المختلفة، و أحيانا يساعدون نسوة مع أطفالهن يبتن في العراء متدثرات بخرق بالية من برد الصحراء الليلي القارس.
داخل الغابة أبرز مرافقونا هندسة تقسيم مياه الوادي التقليدية بين المزارعين بطريقة مثيرة للدهشة و الإعجاب جعلت منظمة اليونيسكو تصنف نظام السقي في وادي ميزاب ضمن التراث العالمي، وجدنا ميزابين من مدن الشمال البعيدة يرعون حدائقهم و بساتينهم بمناسبة زيارتهم لمدينتهم في عيد المولد النبوي. و تحدثوا عن الخيرات الكثيرة و المتنوعة التي تجود بها أراضيهم، و أبى أحدهم إلا أن نتذوق حبات من المندرين جادت بها أشجاره، قائلا أنها أحسن من برتقال الشمال.
بني يزقن عودة محتشمة للسياحة و الأمن هو الأساس

مظاهر عودة الحياة إلى طبيعتها كثيرة في غرداية، رغم حالة الترقب و الحذر، ففي قصر بني يزقن المصنف هو الآخر من قبل اليونيسكو كتراث ثقافي عالمي، كان المرشدون السياحيون يتناوبون على الطواف بالزوار في أزقة القصر المعمور منذ أكثر من 7 قرون، المحافظ على أرثوذوكسية شديدة تمنع التدخين داخله و لا تسمح إلا بأخذ صور للأماكن دون الأشخاص، و الطواف في مسار معلوم دون التوغل بين البيوت.
قال المرشد الذي جاء لمرافقتنا أن مجلة «جيو» السياحية الفرنسية في الثمانينات زارت بني يزقن أو «أث يزجن» و نشرت صورة لمرأة تلبس الحايك بعين واحدة المسمى «حايك بوعوينة» وتحتها تعليق «الأشباح في بني يزقن» فغضب السكان من وصفهم بالأشباح و قرروا منع تصوير نسائهم منذئذ. صعد بنا المرشد إلى الصومعة في طرف قصي من بني يزقن و كان قبلنا وفد من السياح يرافقهم رئيس الجمعية الثقافية المشرفة على الزيارات، قال أن الصعود إلى الصومعة ليس مسموحا به في كل الأوقات، وفق اتفاق مع السكان الذين يرفضون أن يسترق الغرباء النظر إلى داخل بيوتهم، لكن مادام رئيس الجمعية في الأعلى فلا بأس من الصعود. تراءت لنا مدينة غرداية بالكامل تقريبا من عل، و شرفات بني يزقن ذات الطلاء الأزرق السماوي الشهير، في منظر عام لوادي ميزاب يأسر الألباب.

قال المرشد أن حركة السياحة بدأت تنتعش قليلا منذ سبتمبر الماضي و بلغت معدل 500 زائر في الشهر، بعدما كانت منعدمة تماما في أيام الفتنة التي عاشتها المدينة، و كانت مدينة بني يزقن مغلقة لدى زيارتنا لها قبل عامين بفعل المواجهات التي كانت تدور في محيطها. و تحسر محدثنا على الماضي حين كانت بني يزقن تستقطب حوالي 15000 زائر سنويا. و لكنه كان متفائلا بعودة الروح السياحية للمدينة بعد استتباب الأمن، و انتهت جولتنا بزيارة المتحف الصغير في مكاتب البلدية السابقة عند مدخل المدينة.
إصلاح ذات البين بعزل رؤوس الفتنة من الجانبين
يقر الميزابيون و العرب في غرداية على أن ما عاشته مدينتهم كان فتنة طائفية و مذهبية أوقدت رؤوس الفتنة نارها فأهلكت الحرث و النسل، و يتبادلون الشعور بالإثم المشترك، لأن العقلاء موجودون في الجانبين و كذلك الذين يذكون مشاعر العداء و الكراهية بين الميزابيين و العرب تارة باسم العنصرية المذهبية و أحيانا تحت غطاء الدعوات الانفصالية و حماية حقوق الأقليات. و برز من خلال أحاديثنا المختلفة مع المسؤولين و الأعيان في المدينة أن جراح و آلام الأحداث الأخيرة لا تزال لم تندمل بالكامل، و قد فضل الأعيان عدم الخوض في الموضوع مكتفين بالدعوة للهدوء و ترسيخ ما تحقق من أمن، لأن الوقت الحالي لا يسمح بإلقاء اللوم على طرف أو آخر بقدر ما يتطلب التكاتف و العمل على نشر روح التسامح و الإخاء بين الفئتين، و عزل رؤوس الفتنة و دعاتها من الطرفين، و يثق الميزابيون و العرب الذين تحدثنا إليهم في قدرة السياسة الجديدة للسلطات العمومية المرتكزة على الصرامة التامة في تطبيق القانون على إعادة الهدوء للمدينة، و قد وصف بعضهم القرار الصادر عن رئيس الجمهورية بإسناد الإشراف الأمني لمؤسسة الجيش الوطني الشعبي بأنه قرار صائب و جريء أتى بثماره في أشهر معدودات، لذلك يطالبون بتمديد العمل به لأن الوقت لم يحن بعد لكي تطمئن النفوس بالكامل.
و تعود الأحاديث عن الفتنة التي عصفت بغرداية إلى سوء معالجة آثار الفيضانات المدمرة التي ضربت المدينة سنة 2008 و تعترف السلطات بذلك دون حرج، و تخاطب الناس به دون تردد مما خلق جوا من الثقة لديهم في أن معالجة الأزمة الأمنية الأخيرة من طرفها يتم بجدية هذه المرة. و هي المعالجة التي قال الوالي أنها تقوم على ثلاثة ركائز أولاها التنمية و بعث ما تأخر من مشاريع، و ثانيتها تشجيع مبادرات إصلاح ذات البين و تمتين سياسة حسن الجوار بين السكان، و الركيزة الثالثة في معالجة فتنة غرداية تتمثل في التطبيق الصارم لقوانين الجمهورية دون تمييز أو تحيز و لا تراخي.
محو آثار الفتنة مع اليقظة والحذر

في أحياء العرب و الميزابيين كان العشرات يسارعون في ترميم بيوت خربتها أحداث الفتنة الطائفية، بعضهم يعيد بناء جدران تهدمت بفعل التخريب و آخرون يعيدون طلاء البيوت و المتاجر التي تعرضت للحرق، بينما قامت السلطات بمحو آثار و مخلفات الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة، و خاصة أعنفها قبل أربعة شهور في بريان و القرارة و غرداية.
قررت السلطات تعويضات لكل المتضررين البالغ عددهم 1500 ساكن، بقيمة 70 مليون سنتيم، و لا تزال العملية جارية، لكنها لم ترض جميع الضحايا الذين لا يزال بعضهم ينتظر تسوية بعض الإجراءات المتعلقة بتعيين ممثل عن العائلة يتم صرف التعويضات في حسابه، و قال عدد من الميزابيين أن التعويضات المعروضة عليهم لا تتناسب مع ما تكبدوه من خسائر، خاصة المحلات التجارية التي تعرضت للنهب و الحريق، قائلين أن ممتلكاتهم التي خسروها تقدر بالملايير. وقد تم حتى الآن صرف الشطر الأول من تلك التعويضات لصالح 500 متضرر.
كما قامت السلطات بمحو آثار الدمار و التخريب في شتى أحياء غرداية و المدن الأخرى بتخصيص مبلغ 20 مليار سنتيم، منها 10 ملايير لمدينة غرداية وحدها للقيام بعمليات الترميم و الطلاء و إصلاح الواجهات تولت القيام بتلك الأشغال مؤسسات شبانية ناشئة في إطار برنامج وكالة «أنساج» للتشغيل تنشط في 22 حيا من الأحياء المتضررة.
و تتجه الأنظار أكثر نحو المشاريع التي أقرتها السلطات العمومية لصالح معالجة آثار الفتنة و من أبرزها عمليات توزيع آلاف القطع الأرضية للبناء، بدأت العملية في بريان التي شهدت أعنف المواجهات الأخيرة في الصيف الماضي و سقط بها أكبر عدد من الضحايا.
قال والي غرداية عز الدين مشري في حديث للنصر أن عملية توزيع قطع أرض للبناء في بريان بمشاركة عرب و ميزابيين استفادوا من قطع متجاورة للبناء في تجزئة واحدة، تم بهدوء و في شفافية خلال لقاء أشرف عليه قبل أيام، و عبر له المستفيدون عن رضاهم و رغبتهم في التعايش جنبا إلى جنب مثلما عاش أجدادهم في وئام منذ قرون. و هناك برنامج كبير لتوزيع 30 ألف قطعة أرض للبناء، مع إعانة من الدولة بقيمة 100 مليون سنتيم. و تم توزيع 11 ألف مقرر استفادة وفق آخر تقييم حسب الأمين العام للولاية كمال نويصر، الذي أوضح أن البرنامج يشمل 66 تجزئة للبناء، لكن تم إصدار 5 آلاف رخصة بناء فقط يمكن لأصحابها سحب الشطر الأول من الإعانة، لكون العملية تتطلب التدقيق في القوائم عبر العرض على البطاقية الوطنية للسكن.
غرداية التي صارت منذ أربعة أشهر تنعم بالأمن و الاستقرار لا تريد الالتفات إلى الماضي الأليم، بقدر ما ترغب في السير قدما نحو مستقبل تصنعه سواعد أبنائها العاملين بكد على النهوض بحياتهم، بعدما تلمسوا في الآونة الأخيرة صدقا و عزما من المسؤولين و رغبة صادقة من العقلاء و الأعيان على تجاوز المحنة التي عاشتها. فقد تيقن الناس أن عودة السلام و الأمن مكسب ثمين تحقق في مدينتهم و هم لا يريدون التفريط فيه، مترحمين على أرواح الذين سقطوا ضحايا من الجانبين، الذين ذهبوا ضحايا أفعال حمقاء لا معنى لها و لا مبرر، و تركوا أرامل و يتامى و ثكالى.
مناطق لم تمسسها نار الفتنة
التعايش ليس مجرد شعار في غرداية
يعتقد الناس البعيدون عن مكان الأحداث أن ما أصاب ولاية غرداية من فتنة طائفية مذهبية أو عرقية كان شاملا، و يروج البعض لصراع بين مكونين أساسيين للمجتمع الميزابي نسبة إلى منطقة وادي ميزاب الجغرافية بين الإباضيين و المالكيين، لكن هذا غير صحيح.
فهناك مناطق يسكنها أتباع المذهبين لكنها لم تعرف أية حادثة عنف على مر الأيام، و بقي سكانها متعايشين في سلام رغم أن المناطق المجاورة لهم عرفت مواجهات و سقوط قتلى و أعمال تخريب، من هذه المناطق العطف و هي موقع أول قصر للإباضيين في الصحراء تأسس عام 1012 ميلادية، سكانها البالغ تعدادهم أكثر من 15 ألف نسمة اليوم من العرب و الإباضيين حافظوا على حسن الجوار منذ أن هزت الفتنة مناطق وادي ميزاب القريبة منهم.
قال شيوخ و أعيان من العطف أن بلدتهم التي لا تبعد سوى بستة كيلومترات عن مركز مدينة غرداية لم تشهد أي حادثة اعتداء، لأنهم يرفضون الفتنة و لا يريدون لدعاتها أن يقيموا بينهم و لا أن ينشروا أفكارهم في أوساط شبابهم. و قد حافظت العطف على التعايش فيما بين مكونات قاطنيها، و أقامت الأربعاء الماضي احتفالا مشتركا بالمولد النبوي و فيها مسجد يؤمه أتباع المذهبين المالكي و الإباضي دون تمييز. و يريد السكان في العطف أن يكون سلوكهم مثالا يحتذى لبقية القصور و المناطق.
كما أن منطقة متليلي ذات الأغلبية العربية لم تعرف أية حوادث عنف، و بقي السكان فيها محافظين على طريقة عيشهم المتوارثة منذ أجيال، رغم أنها لا تبعد عن مدينة غرداية سوى بأربعة كيلومترات. و يرفض سكانها أن تلصق بهم تهمة معاداة الميزابيين، لأنهم شعانبة في أغلبيتهم و كانت بعض الأصوات تروج للعنف بين الشعانبة و الإباضيين في مسعى لإعطاء الصراع بعدا عرقيا و مذهبيا طائفيا. و في كلتا البلديتين العطف و متليلي كان صوت العقل غالبا على نزعة الفئوية و العنصرية فتجنب الناس مآسي ضربت إخوانهم و جيرانهم و بني قومهم، و ما فتىء الأعيان و كبراء القوم يدعون إلى الحكمة و التعقل و نبذ العنف و التفرقة، مثلما ساعدهم في ذلك الكثير من شيوخ الزوايا و العلماء من الفريقين أمثال الشيخ إبراهيم الدهمة من العرب و سعيد كعباش من الميزابيين، و مجلس أعيان المالكية و مجلس الإباضية با عبد الرحمان الكرثي، و بتأييد من شيوخ الطريقة التيجانية بعين ماضي و زاوية الهامل و جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، و الكثير من الدعاة إلى إصلاح ذات البين.
ع.شابي