روحها تعيش بروحها

روح أمي رحلت مجددا، هكذا كانت عبارة أمي حين تلقت اليوم خبر وفاة صديقةِ جدتي..نظرة الحزن في عيني أمي لم تغادرها مذ توفيت جدّتي وكل ليلة تقريباً تأتيها في المنام وتتحدّث إليها مراتٍ تشكرها ومراتٍ تنظر إليها فقط وتغيب، حقيقةً روح أمي تزعزعت من ذلك الحين وكلما رأت صورتها أو سمعت كلاما أو شعراً عن الأمّ لا تتوقف دموعها ولا نستطيع مواساتها لتدمع عيوننا معها ويخيِّم الصمتُ وكفى..كانت لجدتي صديقة عزيزة جداً عليها وكأنهما روحان إلتقيتا على محبة وانفصلتا على شوقٍ لا يغادر الأخرى ولا التي في القبر على ما أظن..توفيت جدّتي قبل صديقتها في مثل هذا الشهر في يوم من ايام الجمعة حيث احتضنت التراب رفيقة القلب والأم الحنون والسند في الشدة لدينا جميعاً، قد أحبها الجميع لطيبتها وحنانها كانت حينما تشتري شيئا جديداً لها وتأتي إحدى النساء وتقول أووه إنّه لجميل كانت جدتي وبكل بساطه تنزعه حتى لو كانت ترتديه وتقدمه لأي كان قد لمحه واعجب به..انها عندي غريبه جداً فقد كنت لا أحب أن تلبس أخواتي أشيائي قبل أن أرتديها أنا لكن، لماذا كانت تفعل جدّتي هذا؟ ..يأنس الجميع بها ويفتقدها أتذكر حين كنا وبنات أخوالي نتنافس للجلوس بقربها لتقصّ لنا الحكايا وتوزع علينا الحلوى يا للذكريات النابضة التي تخفق في اتجاهين اتجاه كله فرح واشتياق واتجاه مؤلم وخانق..إذا أكثرت الكلام عن جدتي سأنسى صديقتها لنعد إليها..إلتقينا وأمي صدفة بعد وفاه جدتي بأشهرٍ عديدة بصديقتها فآثرت أمّي الإسراع للسلام عليها علّ رائحة جدّتي تنبعُ منها..وكان اللقاء حميمياً جداً كنت أتأمل كلتيهما خاصة لما عرّفت أمّي بنفسها وإمتلأت عينا الجده بالدموع حين قبّلت أمي رأسها وأنا كذلك استعطفني الأمر وتذكرت كيف كنا حين نقبل جدتي لا ننسى القبلة على الرأس أبداً..وقفت أمّي مع الجده تتبادلان أطراف الكلام واستوقفتني عبارة أنها كانت عند جدّتي يرحمها الله..سألتها بسرعه كيف ذلك؟ قالت: والدموع بعينها كل جمعه أزورها وأقرأ الفاتحة على روحها الطيّبة..يا إلهي ما أعظم هذا الحب واسترسلت الجده في الحديث بأنّ جدتي كانت لا تنساها ابدا كانت تأتيها لبيتها وتساعدها وتجلب معها ما لذّ وطاب من انواع المأكولات والفواكه..وكيف تنسى روحها الحارسه لها في وقت الشدّه والضيق في حين أنّ أولادها قلّت زيارتهم ووقوفهم عليها، كنت أسمع ما يبكي فنبكي وأدعيّةً طيبة رقيقة لا توصف، غادرنا الجده الطيبة بعد وقوف مع الذكريات الجميلة الأليمة..وعدت للبيت أسرد عن روح جدّتي لأخواتي فإزددن شوقاً لملاقاتها. بعد مضي وقت طويل خرجت واخواتي لنشتري بعد الاشياء، واذ بالصدفة تجمعني بالعجوز الطيبة فالأول مرّت بجانبي وأنا أتأملها لأمسك بأختي واقول اتبعيني وجدت جدّتي، أسرعت إليها وأوقفتها وعرّفت بنفسي كي لا تفزع من هجومي المفعم بالفرح ثم عرفت بأخواتي وأخدنا كمّا هائلا من الأدعية والحياة تغمر وجوهنا وإياها بسعادة لا نظير لها، وغادرناها ونحن نتحدث عنها كيف لصداقة كهذه أن تدوم قلت لهم يا عزيزاتي حتى وان غادر الجسد فالروح باقية وهذه هي الروح الطيبه لجدّتي تحرس بها صديقتها فلا تغادرها لا الذكريات ولا حتى شكل جدّتي وصوتها، فالصداقة سحرٌ إن استسلم الصديقان وسلّما إيماناً بالحب والرحمة وأول باب الصداقة في نظري ثقة ويبدو أن كلتيهما فاقت معزتها الثقة لتتعزز في روح واحدة فنحن نرى حنان جدّتي ورقتها وحتى هدوء صوتها ونغم كلماتها حين تنادينا بأسمائنا عبر هذه الجدّة، لقد منحنا الله جدةً لن نلتقي بها كثيرا مع الأسف لكن والله يكفي أن نرى عينين رماديتين اخريين صادقتين محبتين لنا.. أصبحنا نملك جدةً ثالثة عوضتنا لو بقليل مما عشناه مع جدّتين غادرننا في وقت مبكر جدا بالنسبة لنا ولأختي الصغيرة التي تظل تبكي خاصة لما يقول لهم المعلم غدا لا تنسوا المرور على اجدادكم وتبقى أمّي تسكتها وتمسح عنها دموعها لتخبرها أنّ الله إشتاق لهم فأخذهم إليه وسيذهب الكل إليه فكانت تصمت لكنها كانت تفتخر أمام زميلاتها بذلك حينما يغادنها وهن يلعبن للذهاب لزيارة جداتهن..حقيقة دخلت أختي في حالة نفسية معقده بسبب عدم وجود ولا جدّ في حياتها ليس كما عشنا نحن في كنفهم وتربينا وكبرنا أمامهم نحمل الكثير عنهم ونقصها على من لم يكن مولودا او حتى صغير لا يتذكر شيئا منهم..أخذت أمي تزور الجده التي تعيش لوحدها وتفعل مثل أمها تماما وتصبح العلاقة أمتن وأعمق، مرّت الأيام وازددنا تعلقا بجدتنا الجديدة لكن حكمة الله أقوى وجاءنا اتصال من احدى حفيداتها تقول بأنها أدخلت المشفى وهي في غيبوبة احترنا نحن البنات كيف نخبر امي تشجعنا ونزل الخبر عليها كالصاعقة أسرعت لزيارتها وأخبرها الأطباء بأن الأمر لله، لنسمع بعد أيامٍ خبر وفاتها وسبحان الله كيف جمع بين الصديقتين في الدنيا وكيف جمع بينهما في شهر ويوم وفاة واحد، وقد بكتها أمي وكأنما فقدت أمها للمرة الثانية، نحن بناتها نتردد دوما في التصريح لها بهذه الأخبار ونجلس زمنا نتناقش كيف نبلغها الخبر، نخاف أن تبكي أمامنا ونحن أقوياء بها ونعيش لنرى عينيها تضحك ولا نقبل أن يقلقها أحد حتى لو كان والدنا..حفظ الله أمهاتكن اعتنوا بهن.

Like what you read? Give رقية علي a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.