خلق أُسس مبنية على الثقة

بعد أكثر من ست سنوات من الصراع العنيف، ناضلت المجتمعات لتحديد الجهات الرسمية الفاعلة في مجال العدالة بعيداً عن القبضة المُحكمة للجماعات المسلحة. لذلك فقد اليمنيون الثقة في جهات العدل الرسمية، وعوضاً عن ذلك، يعتمدون غالباً على وجاهات محلية موثوقة

في عام ٢٠١٧م، أنشأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشروع تعزيز الأمن والحماية على المستوى المحلي في اليمن، وذلك ضمن شراكته مع حكومتي هولندا والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مكتب الأمم المتحدة لدعم بناء السلام؛ يأتي ذلك في أعقاب التدهور المستمر للروابط الاجتماعية في المجتمع اليمني. يهدف المشروع إلى تحسين الوصول إلى خدمات العدالة، الرسمية وغير الرسمية، والأمن في جميع أنحاء اليمن –على المستويات الفردية، المجتمعية والمؤسسية. كما يسعى المشروع إلى تعزيز الوصول إلى العدالة مع تحسين قدرات مؤسسات القضاء والأمن لتقديم خدماتها بشكل يتناسب واحتياجات اليمنيين

ينعكس أحد مكونات هذا المشروع في شراكة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع منظمة البحث عن أرضية مشتركة (SFCG)، حيث قدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة تدريباً لـ ١١٥ عضواً محلياً فاعلاً وموثوقاً (منهم ٤٠ امرأة) في طرق تحديد وتوقع النزاعات وأساليب الحوار المجتمعي. يُعد هؤلاء “الوسطاء المحليون” أعضاءً محترمين في مجتمعاتهم وهم ملتزمون ببناء السلام. يعمل كلا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة على تسهيل عمل الوسطاء المحليين في إيجاد الحلول السلمية بين مختلف الأطراف –داخل الأسرة أو المجتمع، ومن خلال الحوار البناء– وكذلك ربط أفراد المجتمع بجهات تقديم الخدمات القضائية والأمنية عند الحاجة

من خلال العمل كطرف محايد، يساعد الوسطاء المحليون على استعادة الروابط المجتمعية وتشجيع عمليات بناء السلام الشاملة، ودعم إنشاء أساس متين لتعافي اليمن من الصراع

ما يلي يأتي على لسان خمسة من الوسطاء محليين

الصعوبات الاقتصادية في صميم تزايد الخلافات

يشرح أحمد، وهو أحد الوسطاء المحليين الشباب، قائلاً: منذ انهيار الاقتصاد في اليمن، نشهد ظهوراً متزايداً للمشاكل والخلافات في المجتمع

ويتابع قائلاً: “إحدى أكثر المشاكل شيوعاً هنا هي النزاعات على الأراضي. هناك الكثير من الأراضي غير المستغلة، والتي غالباً ما يأتي أشخاص للاستيلاء عليها ويدّعون ملكيتها ومن ثم يحاولون بيعها”. مع وجود فرص أقل للعثور على عمل مستقر، يضطر العديد من اليمنيين للعيش بموارد مالية أقل وقد يتخذون إجراءات يائسة لتوفير الاحتياجات الأساسية لمن يعيلون

تُشير نور –إحدى النساء اللاتي أكملن بنجاح تدريب الوسطاء المحليين، قائدة في المجتمع المحلي، وهي الآن شخصية بارزة وموثوقة بين الوسطاء والسلطات المحلية– قائلة: معظم المشاكل التي نراها في المجتمع اليمني اليوم تنبع جذورها من الصعوبات الاقتصادية. غالباً ما يؤدي عدم القدرة على شراء الطعام أو تحمل تكاليف الأدوية والرعاية الصحية إلى زيادة التوتر وزيادة الخلافات المتكررة في المنزل ، وتضيف متفائلة: أحب كوني وسيطاً محلياً لمعرفتي بقدرة الوسطاء المحليين على جمع شمل الناس. دائماَ ما أُذكر الناس بأننا سنكون أقوى إذا ما دعم بعضنا البعض

أحمد، الذي أكمل دراسته في الخدمة الاجتماعية يعي جيداً أهمية القادة المجتمعية في حل النزاعات المحلية، يقول: لقد نجحت في حل عدة نزاعات على أراضٍ بفضل دعم وقيادة إمام الجامع وقادة المجتمع المحلي؛ إنهم قادة محترمون

ما الذي يمكن تحقيقه عبر نظام العدالة غير الرسمي؟

ناصر، وسيط محلي آخر، يعمل في قطاع الأمن. من خلال الأفكار الرئيسية التي يستقيها من عمله اليومي، يفهم ناصر بشكل مباشر سبب أهمية تدخل الوسطاء المحليين قبل تصاعد الخلاف وتطوره إلى نزاع عنيف

يشرح ناصر تجاربه بفخر قائلاً: يتم إحالة قضايا إليّ نظراً لطبيعة عملي في قطاع الأمن. في إحدى هذه القضايا، تم استدعائي للنظر في ورود إخباريات عن محاولة أربعة مسلحين اقتحام أحد الفنادق. اكتشفت أن المشكلة ناتجة عن نزاع قائم بين عائلتين؛ تمكنت من حل هذه المشكلة قبل أن تتطور إلى اعتداءات أو تتطلب تدخلاً من عناصر الشرطة

بالنسبة إلى وائل، والذي يعمل مديراً لمدرسة، تلعب جهات العدالة غير الرسمية –أيضاً– دوراً حاسماً في إمكانية استمرار الخدمات الأساسية، حيث قال: عندما أصبحت مديراً في مدرستي، واجهتني مشكلة تغيب المعلمين. كان تغيبهم يتسبب في حرمان أكثر من ١,١٠٠ طالب من التعليم؛ كان يجب مواصلة تعليمهم لضمان اكتسابهم المهارات الأساسية اللازمة لخلق فرص لمستقبل ناجح. لقد استخدمت خبرتي كوسيط للعمل مع المعلمين ووزارة التربية والتعليم حول كيفية إعادة المعلمين إلى الفصول الدراسية. تمكنّا من التفاوض كي يعود معظم المعلمين إلى المدرسة

نشر المعرفة

من بين الوسطاء الخمسة الذين تحدثنا إليهم، لاحظنا أن معظمهم يعتمد على التوصيات الشفهية لكي تأتي إليهم الجهات المتنازعة لحل مشاكلها، بينما العديد منهم يعتمدون على سمعتهم في المجتمع

بالنسبة لمحمد، وهو محامٍ عمره 25 عاماً يعمل وسيطاً محلياً منذ خمسة أعوام، كان إغلاق مكتبه القانوني –المكان الذي يتواجد فيه باستمرار– سبباً أجبره على الابتكار؛ يقول محمد: أستخدم الفيسبوك للترويج لخدماتي كوسيط. أتلقى قضايا عبر الإنترنت بما في ذلك نزاعات على أراضي؛ دفع ديون؛ خلافات بين عائلات وقبائل؛ ونزاعات على الميراث

يحظى الوسطاء المحليون باحترام كبير في مجتمعاتهم ويعملون بانتظام مع الوجاهات الدينية والقبلية المحلية أو مع السلطات الرسمية لحل القضايا سلمياً؛ يشرح محمد قائلاً: بصفتي مستشاراً سابقاً مع السلطات المحلية، كان يتم استدعائي للنظر في القضايا كي يتم حلها قبل أن تتصاعد

الوسطاء المحليون هم جزء من شبكة قوية وغالباً ما يحيلون القضايا إلى بعضهم البعض؛ توضح نور: لا أستطيع قبول بعض القضايا الحساسة، لذا أحيل النزاعات التي تتطلب معرفة قانونية إلى محمد، نظراً لسنوات خبرته

تعزيز الكفاءات العاملة في قطاع العدل الرسمي

وإدراكاً بأن نظام العدالة الرسمي لا يزال يلعب دوراً حاسماً في المجتمع، قدّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التدريب الرسمي وبناء القدرات لأكثر من ١,٠٠٠ موظف من موظفي مؤسسات سيادة القانون، بما في ذلك القضاة، الادعاء العام، الشرطة والعاملين في السجون

كما يدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أجندة المرأة، السلام والأمن في اليمن، حيث يقوم بتدريب ٤٠ ضابط شرطة نسوية في عدن و٤٠ ضابط من هيئة الدفاع النسوي المدني في صنعاء بدعم من حكومة هولندا. سيستمر عمل هذا البرنامج بفضل اتفاقية جديدة مع اتحاد نساء اليمن، وبدعم من جمهورية كوريا. بناءً على الإنجازات الأولية، سيساعد اتحاد نساء اليمن في تعزيز التعاون بين ضباط الشرطة النسوية والمؤسسات التي يمكن أن تقدم الرعاية للنساء، الأطفال والأُسر المستهدفة. في الوقت ذاته، سيستمر التدريب على المهارات المتقدمة للعدالة التي تركز على الناجين

يهدف مشروع تعزيز الأمن والحماية على المستوى المحلي في اليمن إلى تحسين جودة خدمات العدالة والأمن وبالتالي تعزيز ثقة عامة اليمنيين في مختلف المستويات: على المستوى الفردي، يوفر المشروع الدعم القانوني للأشخاص المحرومين، بمن فيهم المهمشين والمعتقلين في السجون؛ على المستوى المجتمعي، يساعد المشروع أصحاب المصلحة على تحديد القضايا والتحديات الأكثر أهمية بالنسبة لهم والعمل مع مؤسسات العدالة المحلية لمعالجة أولوياتهم بفاعلية؛ أما على المستوى المؤسسي، يساعد المشروع السلطات على تحسين خدمات العدالة والشرطة، على سبيل المثال، من خلال الشرطة المجتمعية

--

--

--

‏‏شعوب متمكنة، أمم صامدة -الحساب الرسمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المنطقة العربية. UNDP official account in the Arab States

Love podcasts or audiobooks? Learn on the go with our new app.

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store
البرنامج الإنمائي

البرنامج الإنمائي

‏‏شعوب متمكنة، أمم صامدة -الحساب الرسمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المنطقة العربية. UNDP official account in the Arab States

More from Medium

The Tip Off: CBB Betting Card (Monday Jan. 24th)

How does „Core“ relate to the iShares ETF?

Connecting Miamians to broadband internet: a Q&A with Miami Connected’s Jorge Gonzalez

Red Pill or Blue Pill America?