خارطة طريق النجاح لرواد الأعمال

أحمد بن علي بن محمد المخيني


تقدم القوانين والتشريعات التجارية أطرا منظمة وقواعد عامة تعين على ممارسة التجارة، وتحمي الأطراف المتعاملة من موردين ورواد أعمال وزبائن من أية تبعات قد تنتج من جراء التعاملات المالية بقصد أو دون قصد. ومن الأهمية بمكان لرائد الأعمال أن يدرك أنه أي تعامل مع طرف آخر محفوف بالمخاطر؛ منها ما يتحول إلى ربح، ومنها ما يتحول إلى خسارة، وعلى كل من الأطراف أن يفكر في هذه المخاطر قبل حدوثها للحد من حدوثها، فمنعها مستحيل بالضرورة، وأن يفكر في كيفية معالجتها عند التعرض لها، وهذه هي طبيعة العمل التجاري عموما وريادة الأعمال خصوصا.

وباختصار، فإن هناك جانبين أساسيين ينبغي على رائد الأعمال إدراكهما، ووضعهما نصب الأعين في جميع التعاملات التي يقبل عليها رائد الأعمال، وهما: (1) كيف يمكن أن أقلل من المخاطر التي قد تتعرض لها أعمالي أو أنا شخصيا أو العاملين لدي أو المتعاملين معي، و(2) كيف أضمن أن تقليل المخاطر أو الحد من آثارها لا ينعكس سلبا على فرصي في النمو والتوسع المستقبلي. ستحاول الفقرات التالية استعراض أهم هذه الجوانب بشكل عام.

أول ما يجب علينا أن نلتفت إليه هو الحد من المخاطر، التي ترتبط أساسا بثلاثة مصادر: (أ) المعاملات التجارية، (ب) العمالة والتشغيل، و(3) المسؤولية الجنائية والتقصيرية. ففيما يخص المصدر الأول للمخاطر، وهي المعاملات التجارية، التي أكثر ما يقصد بها المعاملات المنبثقة من عقود التوريد أو التصنيع أو الشراء أو البيع أو التوزيع أو المرتبطة بها، سواء أكانت تلك المعاملات مباشرة أو عبر طرف ثالث، أو أنها حاضرة أو مؤجلة. ويعني هذا على الأقل الإلمام عموما بالعقود ومصادر الالتزام الكامنة فيها وفي القانون المختص، ومسؤولية الوفاء بها أو أعذار عدم الوفاء بهذه العقود، كما على رائد الأعمال الإلمام بمسؤولياته تجاه المستهلكين، ومجالات العمل التجاري المسموح بها والمتاحة، وإلى ميزات وعيوب كل من الأشكال القانونية للعمل التجاري من مؤسسات فردية، شركات توصية أو محدودة المسؤولية وغيرها. ورواد الأعمال الذين يمثلون علامات تجارية أو ترتكز أعمالهم على الأفكار والابتكار والإبداع، فعليهم أن يلتفتوا منذ مرحلة ما قبل التشغيل الفعلي إلى حفظ حقوق الملكية الفكرية والخيارات المتاحة لحمايتها في القانون.

المصدر الثاني، وهو لربما الأهم، لاسيما، في المرحلة الثانية من نمو المؤسسة وتوسعها وحاجتها لتوظيف المزيد من العاملين لبعض الوقت أو الدائمين، ألا وهو تنظيم حقوق العاملين، فعلى رائد الأعمال الالتفات إلى الطبيعة الخاصة لقانون العمل وحقوق العاملين، فهي مما لا يجوز التنازل عنها أو التهاون بها، بمعنى أن العامل نفسه لا يحق له أن يتنازل عن حقوقه بملء إرادته لارتباط حقوقه بالمصلحة العامة، مثل التأمينات الاجتماعية، أو أطراف آخرين غير مباشرين، مثل أفراد أسرته أو الذين يعيلهم، وكذلك حتى لا يصبح التنازل عن الحقوق عرفا سائدا بموجب الضغوط التجارية أو الاجتماعية، بالإضافة إلى أسباب أخرى. ومما يرتبط بقانون العمل عقد العمل، وهو ذو طبيعة خاصة أيضا، ويرتبط بهما السياسات واللوائح والتنظيمات الأخرى التي تضعها المؤسسة، خاصة إذا كانت ذات طبيعة خدمية مهنية عالية. وجميع هذه العناصر سالفة الذكر تشكل منظومة القواعد التي تنظم علاقة العامل بالمؤسسة وليس بالضرورة صاحب المؤسسة، بحسب الأحوال. ويعد أمر تنظيم حقوق وواجبات العاملين أمرا مهما لارتباطه بإمكانات التعامل غير العادل أو القانوني مع هؤلاء العاملين، مثل الاتجار بالبشر أو الفصل التعسفي أو السخرة، مما قد يكبد المؤسسة غرامات أو تعويضات، هي في أمس الحاجة إليها. ومن بين الأمور الأخرى التي تشغل بال الكثيرين في مجال العمالة مسائل التعمين وارتباطها بشروط استقدام العمالة الوافدة.

أما المصدر الثالث فهي المسؤولية الجنائية أو التقصيرية لرائد الأعمال أو من يفوضهم في حالة الإضرار بمستهلكين أو إثبات حالات غش أو تدليس صدرت من المؤسسة، أو في حالات إساءة استخدام علامة تجارية لا يملك رائد الأعمال حق استخدامها أو التعامل بها أو تمثيلها. ولأن المؤسسة كيان قانوني وليس شخصا طبيعيا، فلا يمكن تحميله التبعات الجزائية والعقابية إن صدرت مخالفات من المؤسسة، وبذا يصبح صاحب المؤسسة والمفوضون بالتوقيع هم أقرب تجسيد طبيعي للمؤسسة، وتتم معاقبتهم. وهذا لا يعني الإحجام عن العمل التجاري وريادة الأعمال، ولكنه يعني الحرص، وتحري الأمانة والوضوح والدقة عند التعامل مع الأطراف المختلفة.

بعدما انتهينا من استعراض ما يجب علينا أن نلتفت للحد من المخاطر، نتوجه الآن إلى الفرص المتاحة للنمو والتوسع المستقبلي، ومن أول الجوانب التي تتيح النمو والتوسع المستقبلي للمؤسسة حماية حقوق الملكية الفكرية في جميع مراحل تأسيس المؤسسة وتطويرها، ويجب أن لا نستقل بشيء من الأفكار أو الأعمال أو التصاميم التي تشكل نواة العمل التجاري الذي ينوي رائد العمل التجاري القيام به، وهناك أدوات وبرامج حماية كثيرة مثل براءة الاختراع، وحقوق المؤلف، والحقوق المجاورة، والعلامة التجارية، وغيرها. ومما يرتبط بحماية الملكية الفكرية التفكير مليا ما إذا كانت الخطوة المستقبلية التوسع الخارجي، أي خارج السلطنة إلى المنطقة أو إلى العالم ككل، وفي هذا الصدد ينبغي لرائد الأعمال التفكير مليا فيما إذا كان من المناسب تأسيس منشأة في واحدة من المناطق الخاصة مثل المناطق الصناعية أو المناطق الحرة، وهي وإن كانت لا تختص بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلا أنها قد تتيح فرصا كثيرة، وتسمح بتوظيف الميزات التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما على رائد الأعمال التفكير مليا في كيفية الاستفادة من الاتفاقيات التجارية، مثل: الاتفاقية الاقتصادية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واتفاقية التجارة الحرة بين السلطنة والولايات المتحدة الأمريكية، واتفاقية التجارة العالمية.

مناط جميع ما ذكر أمران: (1) الوضوح، بمعنى وضوح الشروط والتبعات لجميع الأطراف، ووضوح حدود الحقوق والمسؤوليات، بعيدا عن أية افتراضات أو توقعات، وتفاديا لعنصر المفاجأة الذي يفقد التركيز ويجعل التخطيط صعبا، و(2) التوثيق الصحيح في الوقت الذي تحدث فيه التعاملات.

جدير بالذكر أن النصوص القانونية لجميع هذه الجوانب، إلا أنها قد تكون بحاجة إلى إسقاط على وضع رائد العمل أخذا بعين الاعتبار طبيعة العمل التجاري ومجالات التعامل، ولذا فمن الأهمية بمكان أن يرتبط رائد العمل بمحام يساند العمل التجاري في الحد من المخاطر والنمو والتوسع المستقبلي.

أحمد بن علي بن محمد المخيني

jicfa@yahoo.com