السينما المستقلة

ودورها في الابداع الفني للنصوص السينمائية

التلفاز هو المستقبل. جملة ترددت على ألسنة الكثير من النقاد والمحللين السينمائيين. خصوصا في السنوات الخمس الأخيرة مع تراجع إيرادات أفلام هوليود الضخمة. ولعل أفضل تجسيد لصراع التلفاز مع السينما هو ماحدث في مهرجان “كان” السينمائي الأخير، إذ أبدى عدد لا يستهان به من النقاد استهجانا واضحا على عرض فلمين مرشحين لإحدى جوائز المهرجان في موقع Netflix. التلفاز عبر الانترنت، Netflix و MUBI وغيرها برزت ضمن مجموعة المنافسين لوسائل عرض الأفلام التقليدية. دور العرض تعاني في استقطاب المتفرجين. لسنوات عديدة لطالما كانت الأفلام تٌفرض على المشاهدين. صناعة هوليود لن تموت في يوم وليلة، فهي كأي صناعة، لديها العديد من الاستراتيجيات القديمة والجديدة للتأقلم مع التغيرات في ذوق المشاهد العالمي. في آخر ٢٠ سنة ازداد عدد الأفلام المتسلسلة المتبوعة بأجزاء يبدو أنها لا تنتهي. كثرت إعادة إنتاج أفلام قديمة كلاسيكية بطابع جديد مع الوجوه ذاتها. الافلام الموسمية الخالية من أي إبداع كافلام Christmas, Halloween وغيرها التي تكون عادة مليئة بأكثر الممثلين شهرة يؤدون أضعف نصوص الحوار. أو أفلام مبنية على روايات كلاسيكية يتم نفض الغبار عنها واستحداثها. أفلام مبنية على تجديد شخصيات ثانوية من قصص سوبرمان وباتمان. وصل حال الشح الإبداعي مرحلة يتم تصنيف أي فلم تظهر عليه بوادر قليلة من الشجاعة ويجرؤ على تغيير أسلوب الطرح ومحتوى النص لدرجة أن يصنف من الأفلام العجيبة التي يجب ترشيحها للأوسكار على الفور.

إذا تم حساب عوائد الاستثمار في الأفلام بطريقة مالية بحتة، نجد إن استثمار هذا الكم الهائل من الدولارات على إنتاج فلم واحد يجب تبريره بجميع أنواع القوائم والمعادلات المالية التي تتوقع الأرباح لكل فلم في كل يوم في كل دولة في كل دار عرض. بلا شك، نحن نعيش في عصر تحكمه البيانات، وعقلية المستثمر تفكر دائما بتقليل المخاطر وزيادة الربح؛ كالاعتماد على أفلام أو قوالب أفلام أثبتت نجاحها سابقا، أو لتقليل المخاطر من خلال تنويع الاستثمار، وهذا فعليا يحدث مع بعض شركات الإنتاج متوسطة إلى صغيرة الحجم، حيث تهدف إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من الأفلام قليلة التكلفة على امل ان يجمع أحدها إيرادات عالية تغطي فشل بقية الافلام الاخرى. أو حتى تخصيص نسخة من الفلم لبلد العرض. مثل ذكر طبق صيني مشهور أو عادة صينية في فلم أمريكي موجه لسوق السينما الصينية. هذه الجزئية المملة من هوليود في غرف الاجتماعات الكبيرة هي من يحكم صناعة الأفلام. قس على ذلك في دول أخرى مع اختلاف مكونات الصناعة للتأقلم مع الثقافة المحلية. لكل صناعة حراسها، الدخول أشبه بالمستحيل لمن لا يتوافق مع العقليات الموجودة. David Lynch يعتبر أحد أبرز المخرجين الذين تمرسوا في الكشف عن هذا الجانب المظلم من صناعة هوليود.

السينما كصناعة لعلها اخر انواع الفنون المستميتة في حماية كيانها. أعني بذلك حماية العقلية الموجودة. فلو نظرنا لصناعة الموسيقى، على سبيل المثال وعلى الرغم من أنها ليست مثالية، لوجدنا أنها تتحرر وتعيد تعريف تحريرها من حكم شركات الإنتاج الضخمة. حرب الشد والجذب مستمرة بين صناع الموسيقى وشركات الإنتاج. على أثرها، الموسيقى الآن كصناعة يصعب التحكم باتجاهها وكذلك يصعب التحكم المطلق بها كمحتوى فني، الأخير مهم لحماية الإبداع. في الوقت الحالي نجد كثرة في شركات إنتاج الموسيقى المستقلة، ناهيك عن المنتجين الذين جعلوا من غرفة النوم استوديو خاص بهم.

مايحدث حاليا في صناعة السينما، كما حدث للموسيقى من قبلها، هو تغيير نحو “ديموقراطية المحتوى”، والمقصود بذلك توفر أساليب الإنتاج وخبراتها للجميع. إتاحة الفرصة والمنصة وإعطاء صوت من لم يكن لهم صوت مسبقا، بالتحديد الأقليات العرقية والفكرية وغيرهم. نعني بذلك وجود منتجين في الساحة ينتجون الأفلام التلفزيونية وغيرها بوجهات نظر مختلفة ومن دون الاعتماد على دور العرض وثقل الميزانيات الضخمة. فعندما يقول المحللون أن هوليود تموت، هم يقصدون هوليود من انتاج مخيلة الرجل الامريكي الأبيض، حيث يتم دائما توثيق الكليشيهات بشكل مستمر؛ الممثل العربي أو الشرقي بشكل عام في دور الإرهابي -والذي كان سابقا يشغل دور الفكاهي الأحمق في الخمسينات من القرن الماضي على حد تعبير المفكر إدوارد سعيد- المرأة السوداء السطحية اللامبالية سريعة الانفعال، وغيرها الكثير من سبل تنميط شخصيات ثلاثة أرباع البشرية.

السينما المستقلة

لسنوات عديدة والسينما المستقلة تساهم في تأسيس قواعد مختلفة للأفلام وفي قوالب فنية عديدة. السينما المستقلة هي التي لاتعتمد على ميزانيات ضخمة ومقاييس أداء وعائدات كبيرة قد تؤثر على طريقة عرض المحتوى السينمائي نصا واخراجا. من يفكر بإنتاج فلم بالكامل من الأبيض والأسود في زمن تتنافس فيه التقنيات على نقاء الالوان؟ من بدأ بوضع قواعد إخراج فلم بالكامل يبدأ من النهاية من دون كسر حاجز وترابط سردية القصة؟ من بدأ بإنتاج القصص بسلسلة أحداث غير متناسقة أو متصلة؟ ماالذي دفع بمخرج روسي أن ينتج فلم مدته ساعة ونصف بلقطة واحدة طويلة دون توقف في متحف Hermitage وبوجود مايزيد عن ١٠٠٠ ممثل وممثلة؟ لا تهم الأسبقية هنا بقدر أهمية زيادة المحصلة الفكرية والفنية. جزء لايستهان به من تجارب السينما المستقلة هي الآن حجر الأساس لكثير من الأساسيات الإخراجية اليوم. الحركة السريالية في مطلع القرن العشرين راهنت على أهمية الصورة والأفلام في تجسيد فلسفتها. على الأرجح أن جميع هذه السيناريوهات الإبداعية تم تجربتها بأشكالها البسيطة والمعقدة في السينما المستقلة وسينما طلاب المعاهد وسينما الهواة. سينما غير ظاهرة للعلن توجد للتجربة، توجد لأن لها غرض آخر غير تحقيق الأرباح. تماما كما الإلهام الذي يجب إجابته في الحال. المزيد من الحرية الإبداعية، النجاح والفشل ليسا وجهين لقياس أهمية العمل الفني المستقل، بل هي مساحة لكثير من الأخطاء والتعلم المستمر. حرية النص وحرية الكاميرا. أو على الأقل هذه الصورة النمطية والمتوقعة من واقع إنتاج الأفلام المستقلة، لكن في الحقيقة كثير من الوقت يذهب في السعي لتحصيل الدعم المادي والتقني. الشاعر الملهم يكتب، الموسيقي يكتب، يغني ينتج في لحظته. أما المخرج الملهم يبحث عن الإحباط وهو يبحث عن أذرعه تكمل عمله. يلجأ المخرج للكتابة لأنها أفضل وسيلة لتوثيق الإلهامات بشكل مباشر. طبعا، الإلهام ليس كل شيء في معادلة الإبداع ولكن لحظيته تحتم التوثيق السريع. الهدف من تمكين السينما المستقلة هو تمكين الناس على إدارة المشاريع الإبداعية بأقل التكاليف، إتاحة الفرصة للتعلم من الأخطاء. السينما السعودية لم تصل إلى مستوى الصناعة بعد، وهذا بالضرورة لايعني الفشل. الهدف هنا هو إنشاء البنية التحتية ترتكز عليها صناعة الأفلام. من زخم شركات الدعاية والانتاج السعودية، ومن منصات YouTube برزت العديد من المواهب المحلية، وإنشاء شركات إنتاج أفلام ضخمة أو زيادة نفوذ الشركات الحالية ذو المجال الإعلامي أو دخول شركات إنتاج عالمية للسوق السعودي وتبني منهجيتها بشكل كامل سوف يحرم المشاهد الكثير من الفرص والتجارب السينمائية التي يجب أن تحدث قبل هذه النقلة، كذلك يجب إنشاء المعاهد والمراكز التي تساعد على تنمية الجوانب التقنية من الإنتاج السينمائي.

النص أولا، النص اخيرا

كنت مؤخرا في لقاء “ألف حوار” حيث جمعت المنصة كلا من عهد كامل، الممثلة والمخرجة السعودية مع الكاتب والمخرج علي كلثمي والمنتج البريطاني كولنز، وأدارت الحوار الممثلة السعودية فاطمة البنوي. ذكر المنتج البريطاني كولنز بأن بريطانيا أنشأت صندوق تطوير المخرجين في سبعينيات القرن الماضي لمنافسة السينما الأمريكية العالمية مستقبلا، وعلى الرغم من أن المخرجات لم تكن في مصاف الأفلام المميزة آنذاك، إلا أنها أتاحت المجال لجيل كامل من المخرجين والمنتجين البريطانيين الذين انطلقوا من هكذا مبادرات وتعلموا من أخطائهم ليصنعوا لأنفسهم سمعة عالمية. شدد كولنز كذلك على أهمية عنصر مصداقية وأصالة المحتوى الفني في روح أي عمل، وهذه “الأصالة” لاتأتي إلا عن طريق أعمال وتجارب الناس الشخصية. قصص محلية تبرز الطابع الإنساني المشترك بحسناته وسيئاته.

كما أوضح علي الكلثمي على أن النص يأتي أولا قبل أي شئ أخر. النصوص بمختلف أجزائها وتركيبها من سردية إلى حوارات وإدارة سيناريوهات، تعد أهم العناصر السينمائية التي يبنى عليها أي فلم أو مسلسل. إنني أؤمن تماما بأن السينما تعتبر أحد الحلول لمعضلة قديمة طرحها الروائي والمفكر عبدالرحمن منيف في كتاب “الكاتب والمنفى”؛ وهي اللغة العربية في الكتابة السردية التي تنتقل بين الفصحى والعامية، على مختلف اللهجات، الأمر الذي يفقد فن الكتابة الروائية جزء من الواقعية والانسيابية السردية. عبدالرحمن منيف انتهج اللغة الوسطى كأحد الحلول. ولكن فعليا كتابة الأفلام قادرة على تجاوز الكثير من العقبات الموجودة في التنقل بين الفصحى والعامية.

تطرقت عهد كامل إلى ذكر أهم الصعوبات التي واجهتها، من مماطلات بيروقراطية طويلة تطالب بتسجيل النصوص المكتوبة للفلم تحت علامة تجارية بإسم “كتاب” إلى صعوبات في إيجاد الدعم المادي وقلة العاملين السعوديين في المجالات التقنية السينمائية مثل إدارة النص والإدارة الصوتية.ومن اللافت للانتباه هو تواجد ممثلي “هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة” و”الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع” في لقاء “ألف حوار” لإعلان مشترك عن الخطط المستقبلية لتقديم المبادرات ودعم المواهب المحلية وإنشاء المسابقات السينمائية. بين المنصة والكواليس ثمة إحساس مشترك بالتفاؤل على الرغم من خيبات الأمل السابقة لبعض من أخرجوا الافلام وتسنى لي التحدث معهم. كذلك من دوافع للتفاؤل هو الحضور النسائي في قلب السينما السعودية كركيزة أساسية لهذا الفن.

وبعيدا عن الاحاسيس، لم يتطرق الحوار إلى ضرورة الحفاظ على السينما المستقلة بوضعها الحالي ودعمها، كان التركيز على كيفية القفز بالسينما السعودية لمرحلة الصناعة الاحترافية. ولا ضرر في ذلك، بل هي الخطوة والقفزة المتوقعة في حياة هذا الفن، ولكن يجب إدراك أهمية هذه المرحلة وتسخيرها للتطوير الغير مشروط بميزانيات ضخمة وأرباح متوقعة. على الرغم من قلة المحتوى المحلي نصا واخراجا وقلة الاحترافية في انتاج بعض الاعمال (ماعدا مجال الكتابة والإخراج الكوميدي الذي يبدوا أكثر نضوجا) إلا أن الأعمال المستقلة أفضل طريقة للتعلم. إذا استولت الكوادر والخبرات العالمية على صناعة المحتوى بهدف القفز بالسينما إلى مرحلة الصناعة سوف ينتج عن ذلك الكثير من الأعمال الفنية السطحية والرديئة، كإنعاش روح جديدة لمخيلة وعقلية الرجل الأبيض الهوليودية في السعودية، ما سيكلفنا اكتشاف المواهب، والأهم من ذلك كله سيؤخر من وجود المصداقية الفنية في من كان من المقدر لهم إيجاد طابعهم الفني الخاص بدلا من إتباع المسلمات والقوانين الهوليودية. على هذه الحال، لا استبعد إنتاجا للنصوص كما تنتج المسلسلات الخليجية رديئة الجودة. الانتقال إلى مستوى صناعة احترافية له إيجابياته العديدة كذلك، ولكن لا أريد تلك الإيجابية أن تكون مقيدة للإبداع النصي والفني. لأن الاهتمام بالنص والافكار يجب المحرك الاول والاخير للابداع السينمائي.

Like what you read? Give Wael a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.