شمرا، محرك البحث السوري الأول من نوعه

تطورت شبكة الانترنت بشكل متسارع جداً في السنين العشر المنصرمة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإنسانية وضروراتها اليومية. لذلك أصبحت هذه الشبكة حقلاً خصباً للاستثمار تستغلّه شركات عملاقة وبميزانيات ضخمة، وحاولت خلق ثقافة شاملة موحّدة وجعل العالم “قرية صغيرة” أو ما يسمى بالعولمة. هذا ما صهر خصوصيات الشعوب جميعها وحوّلها إلى سوق عمل ضخم. ينطبق هذا الكلام بشكل خاص على “مايكروسوفت” التي استحوذت على أهمّ المنصات الالكترونية، مثل السكايب، اللينكدان، وفيسبوك التي استحوذت على إنستجرام، واتساب… وبالتالي أصبح من الصعب جداً مقارعة شركة مثل “مايكروسوفت” على المستوى المادي، بل يجب البحث عن أفكار مختلفة، وقيم مضافة، تميّز المحتوى الرقمي المطروح عن مثيله في هذه الشركات.
ومن هنا تنبع أهمية محرك البحث “شمرا” الذي تأسس عام 2015، من قبل المهندس شادي صالح. والقيام بهذه الخطوة يدل على جرأة كبيرة، بالإضافة إلى الإيمان بإمكانية تقديم شيء مختلف في ظل وجود محرك بحث قوي مثل “جوجل”. وانطلق صالح من البحث في خصوصية الشعب السوري، وما يحتاجه من خدمات في المرحلة الراهنة، وتقديمها له. أي أنه حدد الفئة المستهدفة من هذا المشروع، وعمل على تلبية احتياجاتها. من دون أن ننسى بالتأكيد الظروف الحالية التي تعيشها سوريا، في ظل احتدام الحرب، وازدياد العقوبات الاقتصادية التي تعوّق استخدام السوريين لخدمات الانترنت العالمية، وهذا ما يزيد من أهمية “شمرا”. ضمن هذا المنطلق، تكتسب خدمات “شمرا” أهمية إضافية في هذه السنين، لأنها انطلقت من الوعي بالظروف الراهنة والمتطلبات المرحلية. مثل خدمة شمرا عملات، التي تؤمن للسوريين مصدراً موثوقاً، في ظل بحثهم اليومي عن أسعار صرف الليرة السورية لعدم استقرارها بشكل كامل.
يعتبر محرك البحث شمرا الأول من نوعه في المنطقة العربية، فهو محرك البحث الوحيد الذي يعمل باللغة العربية بشكل خاص، ويقدم محتوى يخص السوريين بالدرجة الأساسية. وتطور هذا المحرك كثيراً على مدار السنوات الثلاث الماضية، وعلى الرغم من وجود العديد من الخدمات المفيدة والمتنوعة والشاملة، لكن لم يتم تطوير هذه الخدمات بالسوية ذاتها في بعض الأحيان. ومثالاً على ذلك خدمة شمرا أكاديميا، التي تطورت هيكليتها بشكل كبير في النسخة الأخيرة، من خلال تطوير طرق البحث، وإضافة تبويبات أخرى مفيدة كالمنح، وأرشيف الجامعات السورية. في مقابل خدمة شمرا فيديو التي حافظت على صيغتها البدائية بعض الشيء، والذي أدى إلى حذفها فيما بعد.
من الخدمات التي يتم تطويرها بشكل مستمر هي خدمة شمرا أماكن، فقد مرت بالعديد من المراحل لتتحول إلى واحدة من أفضل الأرشفة للأماكن السورية. فهي لا تقتصر على تعداد الأماكن وعناوينها فحسب، بل تحدد ما هي المسافة التي تفصل بين نقطة البحث والمكان المقصود. بالإضافة إلى وجود خريطة تعطي العنوان بدقة، وهذا ميزة جيدة، لأنها قدمت حلاً مغايراً لموقع جوجل خرائط، خاصة في سوريا. ومع تلافي بعض المشاكل في هذه الخدمة، ستتحول إلى دليل احترافي شامل يتمّ الاعتماد عليه كليّاً. فمن الأفضل تطوير طريقة إضافة الأماكن، وعدم الاعتماد بشكل شبه كامل على المتابعين. فتفاعل المتابعين ميزة جيدة لكنها لا تضمن دقة في المعلومات حتى لو تم الإجماع عليها من عدة مستخدمين، لذلك من المهم الحفاظ على هذه الميزة مع وجود فريق عمل يتابع هذه الخدمة بشكل خاص، للتأكد من صحة معلومات الأمكنة المضافة قبل عرضها على الصفحة. إضافة إلى التأكد من وجود معلومات شاملة عن المكان قبل إضافته، لأن نقص المعلومات سيعطي انطباعاً سلبياً لدى متصفحي موقع شمرا، ويدفعهم للابتعاد عنه تدريجياً. كل ما سبق سيضفي مصداقية أكبر على هذه الخدمة، ويجعلها غير قابلة للمنافسة.
من الممكن أيضاً إضافة بضعة تفاصيل لخدمة شمرا أماكن، لجعلها تتناسب أكثر مع متطلبات الشباب السوري اليوم. مثل إضافة ميزة الفعاليات على الأماكن، مثل الحفلات، أو المعارض الفنية، أو العروض المقدمة من مطاعم معينة. هذا ما سيساهم بضمان متابعة المستخدمين لهذه الخدمة بشكل دوري، للاطلاع على أحدث الفعاليات في المدن السورية. مع إضافة معلومات خاصة بكل مكان وما يقدمه، مثل قائمة بالمأكولات وأسعارها للمطاعم أو المقاهي. بالإضافة لصور جيدة وبدقة عالية للأماكن المندرجة ضمن هذه الخدمة. كما من الممكن إضافة خاصية البحث عن أقرب الأماكن (مطاعم، مقاهي) من نقطة البحث. ميزات من هذا النوع ستغني هذه الخدمة بشكل كبير، وتجعلها مرجعاً متكاملاً لا بديل عنه، وهذا ما سيزيد نسب مستخدمين هذه الخدمة، ويضمن متابعتهم لها بشكل دوري. لتصبح بذلك جزءاً من تصفحهم اليومي لشبكة الانترنت.
خدمات محرك البحث شمرا تمتاز بالتنوع والشمولية، حيث يحاول المحرك الإحاطة بكافة هذه الخدمات. لكن ما يؤخذ هنا، هو عدم ربط هذه الخدمات ببعضها، لضمان انتقال المستخدم بين هذه الخدمات جميعها، وبشكل سلس. فيمكن ربط خدمة شمرا أماكن بخدمة شمرا جوبز، أي عندما يزور المستخدم مكاناً معيناً، مثل مؤسسة ما، يستطيع معرفة ما إذا كانت هذه المؤسسة تقدم فرصاً للعمل. أو مثلاً ربط خدمة أماكن بخدمة شمرا أخبار، فعند البحث عن مكان ما، يجد المستخدم الأخبار الخاصة به، مثل المؤسسات الحكومية كالبنك المركزي وغيره، أو ربط الملاعب بأخبار الرياضة المحلية. وهذا ما يغني جميع الخدمات بشكل متوازٍ، فخدمة شمرا أخبار هي من الخدمات المميزة في الموقع، وتمتاز بالحيادية بسبب جمعها لعدة مصادر للخبر الواحد، حيث يقوم موقع شمرا بنشر الأخبار نقلاً عن وكالات أنباء متعددة، هذا ما يغيب عن جميع مواقع الأخبار تقريباً. لكن إضافة مقالات تحليلية باسم شمرا سيضفي احترافية أكبر على هذه الخدمة، ويزيد من نسب متابعيها الدائمين بشكل كبير، أي ألا تكتفي بنقل الأخبار فقط، بل تقديم تحليلات خاصة بها تميزها عن غيرها.
وبما أن متابعة الأخبار أصبحت جزءاً لا يتجزأ من يوميات المواطن السوري في السنين السبع الأخيرة، وهذا ما أدى لوجود الكثير من المواقع الالكترونية وصفحات الفيسبوك التي تقوم بنشر الأخبار في كل لحظة. بالتالي فإن المنافسة بين هذه المواقع أصبحت كبيرة، بغض النظر عن توجه المحتوى. ونحن نعيش الآن في عصر الصورة بشكل أساسي، أي هي المؤثر المباشر على المتلقي، قبل القراءة. لذلك فإن الاهتمام بطريقة تقديم الخبر، والصور المرفقة معه ضرورية جداً. وهذا لا ينطبق بشكل كبير على موقع شمرا، فتصميم الموقع مميز جداً من الناحية البرمجية والعملية، لكن ليس من الناحية الجمالية — مع عدم نسيان دقة وجمالية اختياره للألوان والخطوط بشكل خاص- وهذا لا يتناسب مع الاهتمامات الحالية لمتصفحي الانترنت، وهي بالدرجة الأساسية الإبهار بالصورة.
في النهاية، لا يستطيع أي شخص أن يقلل من الجهد المبذول حتى الآن في محرك البحث شمرا، وفي احترافيته وبحثه عن الأفضل دائماً، وعن المصداقية الكاملة. وهو مشروع سوري بحت، وهذا ما يميزه بشكل أكبر. محرك البحث هذا يتطور بشكل مطرد، وخدماته متنوعة وتلبي الكثير من احتياجاتنا، ويجب الاستمرار على هذا النهج، ودعمه بشكل أكبر. والآمال كانت، وما تزال كبيرة بهذا المشروع، على أمل وجود مشاريع مشابهة على قدر التطلعات.