الحياه داخل جوجل — تجربة جوجل في العمل والحياة — BFA

تخيل معي السيناريو التالي ، اليوم هو أول يوم لك في العمل في هذه الشركة الكبيرة .. أنت متحمس جدا للعمل كأي موظف جديد وتريد أن تكسب ثقة مديرينك .. فتذهب للعمل في أوتوبيسات مكيفة ومتصلة بالإنترنت ، تصل إلي الشركه حيث سيعرفك مديرك علي مكتبك المطل علي منظر طبيعي رائع ثم تبدأ في العمل ؛ بعد ساعة ترهق من المكتب فتأخذ حاسبك وتتجة لأحدي ماكينات المقرمشات المجانية لتحصل علي بعض أكياس المقرمشات ثم تذهب للجلوس علي إحدي ال bean bags المريحة لكي تسترخي قليلا وأنت تعمل وذلك بعلم مديرك الذي يراك تعمل هكذا فيشجعك طالما سيساعدك هذا علي الإبتكار …… ماذا ؟ هذا غير حقيقي ؟ بلي إنه حقيقي جدا .. ألم أخبرك إن الشركة التي أتكلم عنها هي جوجل ؟ لا تزال غير مصدق ؟ إذن دعني أعرفك علي ما لا تعرفة عن الحياة في جوجل والتي عرفناها من خلال مشاهده عشرات الفيديوهات وقراءه عشرات المقالات عن تجربة جوجل الفريدة .

فبعد أن تكلمنا عن نشأة جوجل في مقال سابق يمكنك الإطلاع عليه من هنا :

كان لابد أن نتكلم عن الحياة داخل جوجل كيف تبدو ، فقد أدرك كل من سيرجي برايان و لاري بيدج من البداية أن العامل البشري يكلف الشركة أكثر من 60% من التكاليف المتغيرة وعليه أيضا يقع عبء النهوض بالشركة ، وفي شركة تقوم علي الإبتكار كجوجل يزداد الأمر تعقيدا .. فالإبداع والإبتكار لايمكن أن تزيد سرعتهم .. فلا يمكنك مثلا أن تزيد معدل الأفكار المبتكرة بشكل مباشر عن طريق حافز مادي أو خوف من الخصم مثلا وبالتالي لجأت للعكس تماما أن توفر للموظفين جميع وسائل الترفية والرفاهية والمنافع التي تمكنهم من الإستمتاع بالعمل الذين يقومون بة وهي الوسيلة الوحيدة المضمونة لزيادة ولاء الموظفين للشركة وزيادة معدل الإبتكار .

فمنذ البداية صرفت جوجل علي إنشاء مقرات مميزه ومبتكرة في جميع العواصم الحيوية .. مع مراعاه أن يكون المكان يطل علي مناظر طبيعية خلابة وقريب من المترو والأماكن الحيوية في البلدة وأن يكون البناء نفسة ذو تصميم فريد ، ثم إستثمرت أكثر في العامل البشري سواء في الإدارة أو في المبرمجين أنفسهم .. بدءا من دورات وندوات تدريبية مختلفة للموظفين وتحديث المكاتب بأفضل الأجهزة والمعدات وحتي كل منافع الحياة العادية التي تضمن لك أفضل تجربة خلال العمل والحياة في جوجل .

فكونك موظف “أو قل صاحب عمل ” في جوجل معناه أن تحصل علي ثلاث وجبات بوفية مفتوح يقوم علي إعداد الأكل بها أفضل الطباخين لدرجه أن إحدي الموظفات تقول أن الأكل في جوجل أفضل من أحسن مطاعم نيويورك .. والأكل نفسة يتكون من مكونات organic بدون أي كيماويات ؛ هذا بالطبع عير المقرمشات والمسليات المجانية بين الوجبات ومايكنات إعداد القهوة .. وكذلك جميع أساسيات الحياة من قصات شعر و مغسلة و dry clean …. إلخ وكل ذلك مجانا .

هذا غير جميع وسائل الترفية والتسلية داخل الشركة والتي يحق لك إستخدامها في أي وقت لتخفيف عناء العمل وجعله هواية محببة لك .. بدءا من البلايستيشن والبلياردو وجميع الأنشطة الرياضية وحتي المقاعد المريحة التي يمكنك العمل عليها وأنت نائم و كبسولات النوم التي تمكنك من أخذ قليلولة في وقت العمل إذا أردت بدون إزعاج .

ولكن الأمر ليس مادي بحت وليس الأمر أن تترك لتلعب كما تشاء في الشركة .. ما يجعل جوجل فريدة من نوعها فعلا هي التجربة الإنسانية ، فهي تقوم بعمل أبحاث علي كل شئ لتضمن أفضل تواصل إنساني وأفضل إبتكار .. لدرجة أنهم قاموا بعمل أبحاث عن الطول الأمثل لطابور البوفية والمده اللازمة لكي تحصل علي طعامك بحيث ألا تكون صغيرة كفاية فلا تقابل أشخاص جدد وتقوم بعمل محادثات معهم ولا تكون كبيرة بحيث يضيعون وقتهم .. فوجدوا أن المدة المناسبة هي أربع دقائق !

وكذلك الحال في كل شئ .. فقد قامت جوجل بتبني قاعدة 20% creative zone الشهيرة والتي تقتضي أن لك الحق في إستخدام 20% من وقت العمل الرسمي في مشاريع غير رسمية للشركة تحددها بنفسك .. وقد كانت النتائج رائعه للغاية من هذه السياسة فالعديد من منتجات جوجل الناجحة اليوم ( مثل Gmail و inbox ) جائت أفكارها لبعض الموظفين وتم العمل عليها خلال هذه الفتره وليس خلال اجتماعات مملة ولا ابحاث السوق وبعد ذلك تم تبنيها من قبل الشركة .

وجوجل لا تتوقف عند حدود العمل فقط كما قلنا ، فأي فكرة تفيد موظفيهم وتعمل لصالح البيئه يتم تنفيذها ولا يشترط أن تكون مكلفة للشركة ، فمثلا هناك من يحب الرياضة ولا يريد أن يذهب للعمل بالمواصلات .. فقامت جوجل علي موقع داخلي للموظفين فقط بتنظيم رحلات ركوب الدراجة للموظفين كي يذهبوا للعمل سويا ، هذا غير الأنشطة الرياضية المختلفة من يوجا و الجري … إلخ ، ولم تتركهم حتي في الأنشطة التطوعية فتنظم أنشطة تطوعية لمن يريد التطوع في جوجل ويذهبون لعمل أي نشاط تطوعي جماعي كالمساعدة في زراعة وتشجير منطقة أو دهان مدرسة .

كما تتبني جوجل في جميع أنشطتها مبدأ الشركات صديقة البيئة (Green inc) فتستخدم الوقود الحيوي في عرباتها والطاقة الشمسية في معظم الأماكن المناسبة لهذا لدرجه أنها طورت عربات خاصة بها وبموظفيها تعمل بالكهرباء ويمكن لأي موظف حجز سيارة في الوقت الذي يريده .. هذا فقط من شأنة أن يرفع ولاء الموظفين ويجعلهم يحبون الشركة كما قالت إحدي الموظفات .

هذا أيضا غير المواقف الفريدة في الإنسانية وإداره المشاكل في آن واحد .. فقد لاحظ القائمون علي الشركة إرتفاع نسبة ترك العمل في الإناث بسبب الحمل والولادة .. فبعد المشاورات إتخذوا قرار بمنح السيدات الحوامل أجازة بمرتب ومنافع كاملة من العمل لمده تصل في بعض الأحيان لخمس أشهر !

وهنا يطرح السؤال نفسة .. لماذا تتكلف جوجل وقبلها foxconn كل هذا العناء في سعادة موظفيها ؟ أليس من المكلف جدا أن تقدم كل هذه الخدمات مجانا للموظفين علي مستوي العالم ؟ والإجابة هي نعم هذا مكلف جدا .. ولكن تكلفة عدم الرضا في العمل والروتينية في التفكير مكلفة جدا وقد تم إثبات ذلك مؤخرا في تجربة ياهوو مثلا (سنتكلم بالتفصيل في مقال لاحق عن تجربة جوجل وياهوو )، ولا يفهم ذلك أصحاب النفوس الجشعة والتفكير المغلق الذين يتخذون من الشركات وسيلة لإمتصاص حياه وأموال الموظفين والعملاء في آن واحد ؛ كما أن هناك عوامل أخري في العمل غير المال منها الولاء للشركة وأن تشعر بإنجازاتك وبالأمان أن من حولك يعملون معك وليس ضدك في سباق أبدي لكسب عمولة أكبر … وهذه الأشياء فعلا لا تقدر بمال وقد تم إثبات ذلك في علوم الإدارة الحديثة جدا وتم تبني هذه الطرق فعلا في بعض الشركات الأخري ولكن كان دائما السبق لجوجل في هذا الصدد فلا عجب أنها تصنف تاني شركة عالميا طبقا لمجلة الفوربس .

ولكن كل ذلك لا يفسر كيف يمكن إداره مثل هذه الشركة علميا وماديا وعمليا ؟ ما هي نظريات الإداره المستخدمة وكيف تكون العلاقة بين المدير والموظف في شركة كهذه ؟ وما هي الإستراتيجيات العملية في مواجهه المنافسة وإتخاذ القرارات اليومية فيها ؟ هذا هو موضوع مقالنا القادم بإذن الله .. الآن أترككم مع بعض الصور الحية من داخل مقرات جوجل لتستمتعوا بها ، وأنتظر منكم التعليق .

Originally published at bfinanciala.com on August 5, 2016