المُمِل (2)

في ظهيرة اليوم الثاني استيقظت وجدته قد ترك لي رسالة يبلغني انه ينتظرني في النادي الساعة الثالثة عصرا ووعدا منه بعد الاكتفاء من هذا. الوقت الذي يلي الاستيقاظ لا يكون وقت جيدا لاتخاذ أي حماقة أو اي خطط. ولا يشجع مطلقا لأي تفكير. فقررت تأجيل اي أمر إلي ما بعد كوب الشاي. 
والحقيقة اني كنت أدعي عدم الاهتمام. لقد كنت بالأمس أشعر بكل الملل تجاه. والآن أشعر بالفضول مرة أخرى. وأخذت اتساءل ماذا سيكون في النادي؟ ماذا سيفعل؟ كيف امتلك الجرأة لطلب ذلك مني من الأساس؟ هل سأذهب؟ ماذا سأرتدي؟ يا لهوستي وورطتي... ما هذا الارتباك الذي أنا فيه؟! 
مرت الساعات القليلة ببطيء. لم أهتم كثيرا بما ارتديت. ووجدتني أهتم جدا باظهار عدم الاهتمام واللامبالاة. وذهبت للنادي.

حين وصلت وجدت صخب شديد. لم أعتاد الخروج في النهار ولا أحبذ الخروج في النهار اطلاقا ولا أحب الصخب. حتى أني أتجنب حفلات الزفاف ولا أذهب إلا إلي الحفلات المُلزمة جدا. جولة استطلاع ببصري في البداية. رسمت علي وجهي ملامح التأفف وادعيت أنها بسبب النهار والصخب. ساعدتني في الأمر نضارني الشمسية لأنها اخفت جحوظ عيني رغم عني بحثا عنه.

ظهر أخيرا ملوحا لي من بعيد. وحوله مجموعة من الأطفال. أتى لي بهم جميعا ثم أخذني وعرفني علي الجمع الذي كنت أعرفه أغلبه. الحقيقة أن مدينتنا صغيرة.. ولكن لم أكن أبالي إلا بذلك الشخص الغريب المرح الضاحك جدا. وذمرة الاطفال الذين يحاوطونه بقوة. هل هو نفس الشخص؟

لم يمر وقتا طويلا حتى أتي إلينا.. ثم أخذ يتكلم مع احد أصدقائه في قانون ما عن حرية التظاهر وكيف أضاع كل شيء؟ وانقلبت ملامحه للسكوت مرة أخرى كما أتخيله تماما وقت حديثنا. تحلقوا جميعهم حول صديقه وأشار إلي ان اقترب واشترك معهم في الحديث. ودار النقاش طويلا عن سلسلة الاحداث السريعة في الشهور السابقة والتي لم تتح حتى وقتا لفهمها. من جاء من ذهب؟ من زرع ماذا ومن حصد؟ لم يكن الأمر مفهوما مطلقا. 
بدأ يتكلم عن حلمهم السابق في دولة قانون حقيقية. عن قوانين حقيقية. وليست مجرد قوانين تشبه نظامنا التعليمي الذي لا ينتج اي عقول إلا من رحم ربي. كتلك القوانين التي لا تنتج عدلا مطلقا.

رغم أني مهتمة بتلك الأمور إلا أن الصمت قد صعق لساني من هذا الشخص. كيف يكون شخصا مملا جدا مثله شخصا متحمسا جدا مثله؟!

تفرقوا جميعا فجأة كل اثنين منهم لمجموعة اطفال وعادوا إلي اللهو جميعا وأشار لي أن انضم ولكن فضلت أن أجلس للمشاهدة فقط. حتى سلط على الأطفال بان يضربونني بالكرات التي أعطاها لهم. 
ووسط كل هذا وكل ذاك الصخب. سمعت موسيقى مألوفة.. نعم انها الأغنية. سحقا… يا له من جحيم. 
أطلقت عليه هجوم بالأطفال حتى اسقطناه أرضا وهو غارقا في الضحك وأنا غارقة في الغضب.
 
وعدنا في الحلقة مرة أخرى. وبدأ النقاش حول رواية ما أدت إلي كتاب ما ذهب بهم إلي فيلم ما أدار دفة الحديث إلي قصيدة شعر. هذا ما صب عليّ جرعة مكثفة من الخيبات بأني أهرب من كتاب واحد لأجد نفسي وسط مكتبة. ولكن في الحقيقة كنت مستمتعة قليلا. لم يكن يتحدث كثيرا. قد يكون هذا سبب تسلل شعور التمتع لي. وحين كان يتكلم يكون كلامه مختصرا، كأنه مُصر أن يذكرني بحقيقته!

انتهى اليوم، لم يكن يوما عاديا بالنسبة لي. تلك الحلقة وكل ذلك اللعب لم يحدث لي قبل ذلك. أعترف اني كنت اكتفيت من ذلك الجامد ولكني لأول مرة أرى فيها هذا الرجل. 
ودعته وعدت إلي البيت. وأول ما فعلته أني شكرته علي الدعوة وعلي تلك الفرصة للعب التي اسعدتني. ولكنه لم يرد. جلست منتظرة طويلا. إلى أن وصلني رده. شكرني على مجيئي وارسل لي بعض الصور التي التقطها أحد اصدقائه لي مع الاطفال. ثم أرسل لي مرة أخري لتلك الأغنية وسكت!

ما بال ذلك الأحمق؟! 
وما علاقته بتلك الأغنية، ما علاقتي بتلك الاغنية؟! حاولت ان أغير دفة الحديث ولكنه لم يجيب. وبعد وقت طويلا من الانتظار، سئمت الانتظار. مددت جسدي علي السرير من الارهاق. لم اجري هكذا منذ الابتدائية. واعتلت علي وجهي ابتسامة واسعة كتلك الابتسامة التي ودعني هو بها في صمت يلتهم الابتسامة.

وتوالت في ذهني ساعات اليوم كشريط سينما متقطع. قمت بتشغيل الأغنية ولم أرى أي ملل، بل رأيت كل ما حدث اليوم فقط. ثم تذكرت سؤاله "هل اكتفيتِ؟!" 
"اكتفيت من ماذا؟!!"
"اكتفيتِ من الأحاديث والأغنية؟!"
وجدت نفسي أجيب لا لم أكتفي... وغرقت في النوم غير مكتفية!

Like what you read? Give Ahmed Abdelatif Abodoma a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.