المُمِل (5)

تمادى الغياب وسبقه القلق بكثير. مرت ثلاثة أيام دون أي ظهور له. لم يتكلم، لم يرسل أي من أغانيه ابدا. بحثت عن اصدقائه لم استطيع أن أجد أي منهم بسهولة. لم يكن التقرب منهم في هذا الوقت بالأمر السهل. مجموعة منغلقة بشدة ليست علي الأفكار ولكن منغلقة في العلاقات ودائرة الثقة. هل لدي أي بديل إلا إختراق تلك الدائرة؟ ولتذهب مراعاة مشاعرهم للجحيم!!

بحثت عن أحد أصدقائه الذين عرفني بهم في يوم الأطفال ذاك. اعتقدت للحظة أنه مقرب منه كان يعرفني ونادني باسمي أمثر من مرة في ذلك اليوم ، لقد حدثه عني بالتأكيد. سعدت للحظة في انه تحدث عني لصديق له. طردت الفكرة سريعا وسألت صديقه عنه .. أين هو؟ هل هو بخير؟ لماذا لا يظهر؟

رغم رؤيته لرسالتي إلا انه لم يرد عليّ مباشرة. اجتاحني الغضب والتساؤل هل كلهم بهذا البرود والحذر المُمل؟ لماذا لا يجيبون على الأسئلة من دون تفكير؟!!!

تذكرته جيدا وتماديت في الذكرى والتساول . لماذا يجعل كل بسيط معقد وأشد الأمور تعقيدا بسيطة ؟ كيف يراها بسيطة بهذه الطريقة المطلقة التي كانت تجعل مني غبية بليدة جدا أمامه؟ وكيف كان يفهم كل ما في داخله مهما كان متناقضا ؟ ومن أين يأتي بكل ذلك الوقت والجعد لتقبلها؟ قال لي مرة أنه حين يشك في قرار اتخذه يجلس وحده ويأتي بنفسه أمامه ويحاول أن يفهم منه فيما لماذا لا يشعر بالراحة تجاه القرار الذي اتخذه؟ قال لي هذا بمنتهى البساطة. “ أجلس مع نفسي وأحدثه جيدا لأرى ما الذي يقلقه” . في حين أنه كان يعاني في مشكلة مع الطعام مثلا. وينقلب إلي شخص حاد الطباع جدا إن لم يعجبه الأكل. معظم مشاكله في المنزل بسبب الطعام ، لأن الخضار للم يُسَبَك جيدا .. أو لأن الملوخية مالحة أكثر من المعتاد لأنه يعاني من الأملاح. يكره التغيير في الأكل طالما لم يعرفه، وكانوا ينسون باستمرار أن يخبروه .

الأعجب أنه كان لديه نظرية حول السجن. رأى في السجن مفجرا للعظمة والفلسفة. الوحدة التي تقتلك في البداية ، قد تحييك للأبد لقضية ما. قال لي مازحا في احدى الأيام التي سمعنا فيها أخبار الاعتقالات الكثيرة ، “أنه يريد أن يقترح علي تلك الحكومة أن تخرج كل من اعتقلوهم وتطلقهم في المجتمع. انهم يريدون أن يقتلوا فينا الأمل ، ولا يدرون أن بغبائهم يثبتون الأمل. لا الألم ولا التعذيب ولا التهديد قد يحيدنا عن طريقنا أو عن مبادئنا . ولكن إن تركونا بين الناس … كثير مننا سيتغير. أنا سأتغير، في الحقيقة أنا أتغير . لأننا نخرج من المعركة الشر مطلق (هم) و الخير المطلق (نحن) كما نراها ، ولكن في المجتمع بين الناس … لا أثر للمطلق أبدا، النسبية هي الحاكمة. موظف قليل الشأن في مصلحة الضرائب يقبض 50,000 جنيها نظير التغاضي عن بعض ممتلكات أحد فاحشي الثراء في محافظة كذا يمتلك فيها مئات الفدادين ويقتسمها مع أحد المُحصلين هناك؟ هل لي أن أحكم عليه أنه شر محض؟ أم انه مجرد تحريف للحاجة واستخدم لسلطة ما. هذا فساد بلا شك ولكن ما الذي نتحدث عنه هنا بالفعل ؟ نحن نتحدث عن الحاجة .. عن الجوع، عن الحياة التي يفكرون في أنها لابد أن تستمر ولتحترق البلاد في قعر الجحيم .

ياليتهم يفقهون ما أقول. لو أنهم يغيرون تعاملهم معنا . ويتركونا في المجتمع سنكون جميعا فائزين. ولكنهم يلقون في السجون ويسألونا عن مخطاطتنا وتدابيرنا وتمويلاتنا.. حقا؟!! يجبرونا أن نخبرهم عن أصدقائنا الذين يجمعون من مالهم الخاص لشراء بعض عبوات الألوان للكتابة علي الحوائط عبارات مضادة للحكومة ، ثم يتهموننا بمحاولة قلب نظام الحكمّ! صدقيني هم أغبياء. السجن رغم مرارة لحظاته وعذابه والاهانة التي نحياها به، والفرح الذي لن نستطيع أن نكون جزءا منه، والموت الذي نشعر به دون أن نختلس ولو لمسة مواساة والعمر الذي يمر دون أن يحدث بنا غير أنه يترك في وجوهنا واجسادنا الوهن . فإن أيامه تنبت في أعماقنا بعض فتات الأمل التي لن يتمكنوا يوما من فهمها أو لمسها.”

لا أدري لماذا تذكرت كل ذلك حينها. عدت اسأل صديقه عنه . أين هو ؟؟ بعد مرور آخر من الوقت ، أرادت الآلهة أن ترضى عليا أخيرا وتحل عقدة لسانه ليخبررني بما كنت أخشاه. قال لي” أنه مختفي يبحثون عنه في جميع الأقسام والمستشفيات وعند جميع أصدقائه . يشكون في أنه قد اختطف. ينشرون صوره في معظم الأماكن التي كان يتردد عليها، وقد أبغوا الشرطة عن اختفائه وحفظوا رقم المحضر وأرسلوه للنائب العام . انه اجراء هام لأنهم يشكون أن الشرطة قد اتخطفته. “ أنا اقرأ ما يكتبه لي بعد كل ذلك الصمت وأنا مذعورة رغم أني كنت أفكر في نفس الأمر إلا أن الواقع .. بشكل ما مختلف. تابع صديقه “ سنبدأ اليوم في نشر القضية علي المواقع التواصل الاجتماعي ، ستكون مساعدة جلية منك إن ساعدتينا في نشر هذا الكلام وصوره، .” أرسل لي صوره والقصة . أنه مختفي من ثلاثة أيام ، وغير موجود بأي قسم أو مستشفى ولم يذهب إلى عمله أو عند عائلته في الصعيد. وأنه يعمل في كذا وبعض القصص عنه وعن شهامته ومبادئه.

وفجأة شعرت بأن ثعبان قد لدغني في صدري. قفزت من علي الكرسي أمسك صدري ويمتلكه ألم شديد وضيق نفس. أتحرك كالمخبولة يمنة ويسرة في الغرفة . أتجه إلى ملابسي أبحث عن أي شيئا أرتديه. أقف لحظة ما الذي تبحثي عنه ؟ إلي أين ستذهبي؟ ماذا ستفعلين؟ انه مختفي … أي انه الآن في احدى المعتقلات ؟ أو قد يكون في إحدى الحفر تتعفن جثته ربما من أثر الضرب والدماء. فجأة صرخت “اصمتي أيتها الحمقاء الغبية” وآخر شيء قد شعرت به هو دمي يسيل من أنفي .. وبعدها ارتطامي في الأرض.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.