المُمِل (6)

لم أدري بنفسي إلا وأنا ممدة علي سرير في مكان بالتأكيد لم يكن غرفتي ولا في منزلي. بعد وقت مر استطعت فيه أن أتدارك قوتي ومطرحي. عرفت أني في المستشفى منذ الأمس. يتحلقون حولي أطباء وأقارب وأصدقاء يعلو السؤال في وجههم ما الذي يحدث؟! تلك الفتاة صاحبة الحياة الرتيبة المملة الليلية. ما الذي حدث في حياتها يسبب لها ذلك؟!

بعد وقت عرفت من احدى صديقاتي أني أصبت بنزيف في المخ نتيجة لارتفاع الضغط. وأن حالتي تحتاج للراحة. سكتّ متعجبة وتسلل تساؤلاتهم إلي وتملكتني. ولكني أعرف الاجابة. أنا وحدي أعرف الإجابة..

انه ذلك المُمِل. ما الذي قد حدث منذ عرفته. لم يتغير شيء ، لم يكن هناك حدث كبير أو مهم، لم تمر في قصتنا تلك الحبكة التي تضمها الروايات والحكايات، حتى إنه لم يعترف بأي شيء. في الحقيقة لم يكن بيننا أي شيء غير ذلك الحديث اليومي الطويل و الأغنية التي طال لحنها يتمختر جيئة وذهابا مرة بين الفرح والشجن!

انقطعت أنهر الأفكار والأسئلة حين رأيت شبح بالطو أبيض يقترب من أهلي يتحدثون معه بينما هو يسترق النظر لي كل آن وآخر . لم تكن عيني قد تعرفت عليه ، أشعر أن كل شيء صار بطيئا في الفهم والسمع وكأني أشاهد شيئا تسبقني أحداثه ، عقلي يأخذ وقتا أطول في تجميع الأحداث وفهمها.

حسنا.. هذا الوجه مألوف جدا. ولكن لا أستطيع أن أتعرف عليه. يأخذ عقلي وقتا كي يتذكر . أتركه يستعيد قوته علي مهل . كيف أصبحت بهذا الهدوء والملل .. أتروى وأترك لكل شيء بوقت ، أتمهل ما دمت أدركت أن تلك هي قدرتي . لا ألعن القدرة علي أنها لا تكفى.

قال لي مرة : “يصير الانسان عجول كفور حين لا يعرف نفسه. حدود قدرته واستطاعته .. حدود معرفته وجهله .. حدود تفكيره .. وحدود وقته ، ووقت قدرته واسطاعته.” ظننت يومها أنه بوذيا وكان شيئا مضحكا جدا لكلينا. أما الآن أجد نفسي بشكل غريب أتمم تعاليمه بالتنفيذ والتسليم والتفكير أيضا مثله .

تذكرت … انه صديقه. كان معنا في يوم الأطفال وحدثته بالأمس. قال لي أنهم لا يعرفون مكانه ويظنون انه اختطف. وأرسل لي بعض صوره وكلام عن شهامته . وبعدها شعرت بأن كل شيء ينتهي بعد أن رأيت النزيف وارتطم رأسي. انه صديقه!!

اعتدلت في جلستي وكانت كإلقاء حجر في بركة ماء هادئة جدا. اتجه الكل نحوي وكأني أصبتهم بصاعقة. الكل يمنعني من الاعتدال أو الحركة يأمروني بعدم الحركة والراحة ، وتتجه أعينهم إلى ذلك البالطو الأبيض يستنجدون به كي يعينهم عليّ ، ولكنه طمأنهم . استغل الأمر ليقترب مني يقيس النبض. ثم همس لي بأننا سنتحدث ولكن ليس الآن. وخرج تحتل ملامحه ابتسامة طمأنينية للجميع. أنا .. وباقي الأجساد المحشورة في الغرفة.

حسنا سنتحدث ولكن ليس الآن. هو طبيب في المستشفى له الصلاحية للمرور في أي وقت على المرضى في قسمه. سمعته يقول لوالدي أني سأحتاج للمتابعة لأسبوع كامل في المستشفى للإطمئنان على استقرار حالتي. لم أعرف هل قال لهم ذلك لكي أكون في المستشفى لأكبر وقت أم أن حالتي أخطر مما أظن، وتبخر الاحتمال الأول حين أكد الطبيب الاستشاري أن حالتي تحتاج بالفعل إلى المتابعة لأسبوع آخر.

مر ذلك اليوم دون أن يظهر مجددا. كان يرسل الممرضات ليتأكدوا من صحتي كل فترة. مر اليوم الأول .. وانتظرت في اليوم الثاني ظهوره. ها هو الطبيب الاستشاري والممرضات وجميع الأهل والأصدقاء وأجساد لا أعرف جنسها ولا أسمائها عرجت عليّ وهو لم يأتي. ما تلك المجموعة الغبية؟ لماذا يحبون الاختفاء هكذا ؟ ما الممتع في تصدير القلق والحيرة والغموض؟ حفنة من الحمقى !

أمسكت بهاتفي أفتش عن أي شيء عن ذلك المُمِل، لم أجد أي خبر جديد. أنت في السجن لا محالة. هل أنت راضٍ الآن؟ أنك ستحقق قدرك بتحقيق اادعاءاتك حول التمسك بمبادئك. ماذا تفعل وأنت محشور بين أكوام من الأجساد المتعرقة في غرفة لا تسمح للآدميين أن يلحقوا بركب عصر الحضارة!

ما الذي فعلته بسجنك الآن؟

ما الذي تحرك في ذلك الوطن الميت؟ وطن تحكمه الدولة لا يحكمه العدل. الدولة دائما تحكمها المصالح والادعاءات والكذب والمجاملة والتجمل والخوف. الوطن يحكمه العدل والتساوي والود والعطاء والتبادل. انك تنعي بسجنك الوطن وتكلل الدولة بتاج عمرك الجميل.

ما الذي فعلته بسجنك غير أنك أعطيت للسجن أيام لا يعلم بعددها إلا الله. حين تخرج لن تملك إلا عقلك وبعض الأصدقاء وقليل من الحب والمودة وسيرتك الطيبة القديمة التي ما عادت تنفع. ستخرج لتجد الوطن غير الوطن والدولة غير الدولة والأسرة غير الأسرة. ستجد كل شيء تبدل وتغير. ستنعزل وتصمت. وأنا… لا أعرف ما الذي سيحدث لي؟ انك أحمق!

ثم انهارت كل قوايّ وانفجرت في البكاء، وانفجر مرة أخرى السؤال في أعين الجميع.