المُمِل (8)

بدا الأمر مآساويا، لم أعرف هل أفرح أو أدمع لتلك الرسالة الطويلة. شعرت بصدره يضيق، همه يسود. وسعدت بأنه خصني بكل ذلك الحديث. فكرت أن الحياة قد حكمت عليّ بالتنافض، فلا فرحة تدوم ولا حزن يتركني أدمع حتى استريح!

مرت ليلة كاملة.. ليلة ثقيلة، لكنها مقمرة. صحبني البدر طول الوقت. فجلست أقرأ كل الحديث الذي بيننا. اقرأ واتذكر كم كان لطفيا معي وكنت باردة معه. لم أكن اعرف ماذا علي أن افعل او كيف أرد علي عباراته. فكنت ارد بالشكر وفقط. لم يشعر بالضيق مني ابدا ولم أخبره ولو مرة بعجزي عن الرد المناسب. يا ليتني استطيع أن أنطق لما بداخلي مثله.

انقذنني ممرضة من اعادة قراءة الرسالة للمرة التي لم أعد أتذكر عددها. في يدها سرنجة مملوءة بسائل أصفر وقالت : “لا أدري كيف عرف الطبيب أنك لم تنامي. عليك أن تنامي وترتاحي حتى تتحسني. هذا مهدئ سيساعد للنوم”. ثم حقنت المحلول الموصول بذراعي بالسرنجة وبعدها بربع ساعة قضيتها منتظرة أن يؤتي المحلول بمفعوله ، غرقت في النوم.

استيقظت في اليوم الثاني وكنت صافية الذهن بعض الشيء. ولم يمر وقت طويل حتى زارني صديقه الطبيب . يحاول أن يرسم على وجهه ملامح ابتسامة كاذبة. علمت أن هناك أخبار لن تسرني. ولكن شيء ما في داخلي رفض أن يتوتر أو يقلق. كنت هادئة ومستعدة لتقبل أي أمر. حين استيظت في هذا اليوم عرفت أنني من بداية طريق طويل لم أقطع فيه إلا بعض الخطوات حبوا!

أبلغني أن تم تحرير محضر له بالتحريض ضد الشرطة والقوات المسلحة وانتمائه لجماعة إرهابية. تلك التهم كانت رائجة جدا. ولكن غريبة جدا بالنسبة له وغير منطقية جدا. ومن السهل جدا إبطالها في وجود نظام عدل حقيقي. ولكن في ظل نظام حقيقي وقضاء حقيقي. ثم بعدها تم تلفيق تهم أخرى مثل توزيع منشورات تهدد بعدم استرار البلاد واستهداف مؤسسات مدنية. كان المحضر مشوقا جديرا بالقراءة.

كنت قد سمعت منه قبل ذلك كل تلك التهم حين حدثني عن معارفه المعتقلين قبله. ويأخذه المزح من الحزن فينسال منه بَرَدَاً من السخرية، صغير وأبيض وإن أصابك مباشرة آذاك رغم أن مشاهدته جميلة حين يستر كثيرا على الأرض. “أين ذلك الاستقرار الذي نهدده؟ أين تلك العجلة التي نوقفها؟ من الذي يوقفها نحن أم تصريحاتهم؟ نحن الحمقى بلا شك. يتغزلون في الشعب في إعلامهم ثم يرمونه بالرصاص حين يخرجون من أمام الكاميرات!! نحن الحمقى بلا شك”

نعم هو أحمق بلا شك. كان يعرف كل هذا وتركهم يكبلونه بأحلامه وحققوا هم مرادهم. من الذي يسير مؤمنا خلف حلماً كهذا في بلادنا إلا أحمق وغبي. بلادنا وكأنها خلقت في عصرنا للموت.. للموت قهرا واستبداداً. أتخيل أن العالم الآن منقسم لنصفين. أوروبا وأمريكا وبعض البلاد في آسيا حيث الاستبداد الريق الناعم والزيف المحقق ولكن الحياة صارخة فيها … تسرق في التفكير وتجبرهم على السعي. وأحلام السيطرة والنفوذ والنجاح والمال هي المسيطرة. ونحن حيث الشيطان كفّ عن التجمل وفض زيفه فسعى في نفوسنا وأرضنا جهرا، كأنه في ريعان شره. فكان الكذب البيّن طبيعيا والقتل الجائر متعة ونفوس وأموال وأجساد الناس مباحة كالسكاكر. وفي كل ذلك تظهر أنت كزهرة بيضاء في قلب الغابة السوداء وتحلم!

بينما غرقت فيه وفي همه وسجنه وأحلامه. شد صديقه الستارة عن الشرفة ليدخل النور. لم يكن نور الشمس حليفي يوما ما. كان ذلك اختلافا جوهريا بيننا . كان يحب النهار والشمس بشكل لا يصدق. أستيقظ كل صباح على رسالة مديح في النور والصباح. كانت رسالته دوما ما تضمنت غزل خجول. أحببت مديحه في النور والشمس والصباح ولم أحتملهم يوما. والآن لا يتركني أيضا ، آتني النور مندفعا من الشرفة . لم يترك لجسدي مكان للاختباء، التهمه كاملا. والحقيقة أنه التهم البرودة في المكان أيضا.

وفي تلك اللحظة التي شعرت فيها بالدفء الذي هجرني طوال أيام. رأيت أمرا مضحكا جدا غريبا جدا لا يحدث حتى في أحلام كأحلامه.

بلونة بيضاء صغيرة ككرة اليد. حملتها الريح وطافت بها فاعتلت الهوا كبساط. وبينما تلهو مداعبة فراغ الهواء والأرض هاجمها غراب. دق منقاره الأسود فيها مرة فدفعها. وطار مغادرا ثم عاد يحاول أن يغرز مخالبه فيها، فتفلت برقة وتندفع. وكأنها تضحك له ساخرة ومستنكرة. فيدور حولها ويدفعها بمنقاره مرة وأخرى. وهي تندفع كأنها تقفز بخفة ثم تهبط بهدوء طافية. ثم تركها الغراب طافية وأتى علي سور شرفتي وكأنه يستريح من مطاردتها. وقفز مرة أخرى إليها يدقها بمنقارها ويدق عليها بمخالبه. ثم أتى مرة أخرى إلي سور الشرفة وأطلق صرخة ونفض جناحيه مرتين فكان سواده بهيا. ثم قفز عائدا إليها!

توقفت عن التفكير لحظة. استعدت صورة الغراب وهو يستريح . هل كان مبتسما؟! هل كان يلعب؟! هل كان يضحك فرحا؟! هل كان نعيقه ضحكا؟!!!

تمنيت في تلك اللحظة وجوده … ان كان موجودا لكنا تحدثنا عن ذلك الأمر أياما طوال.

قاطعني صديقه من مشاهدتي. وأخبرني أنهم سيكتبون له رسائل. وإن أردت أن أكتب له شيئا أكتبه الليلة ، زيارته الثانية بعد غد!.