مُمِل ( 1)

ممل. في البداية احتلني فضول لمعرفته. شاب غامض، يعرف كل الناس عنه كل شيء ولا يعرف عنه أي شخص أي حقيقة واحدة. وحين صار الحديث ممكنا أصابني الفضول لمعرفته.

وكان هناك تساؤل دوما : لماذا يتحدث معي؟ للحظة ما في البداية كامراة آتاني وسواس الاعجاب. هذا الذي يكتبه عني. هل يراني جميلة؟ كيف أحب من لا أعرف؟ هل يريد أن يعرفني؟... وكل تلك الأسئلة التي تدور في مثل هذه الحالة الغريبة.

لم يكن يمتلك من الوسامة ما يثير، ولم يمتلك من الأعمال ما يجعله المشهور المرغوب. ولكنه امتلك تعاملا غريبا وفرط في عدم الفهم وكثيرا كثيرا من القدرة علي الاستماع. وشيء من القدرة علي امتصاص الحزن وحل المشاكل.

أرسل لي مرة تسجيل لأغنية. دون أي حديث يسبقها أو يليها. كانت لأحد الفرق الغير مشهورة تماما. لكن كانت موسيقاها جميلة. وكلماتها رقيقة. امتزج فيها الوطن بحب امرأة ما. وذلك الحب المقرون بالوطن والحرب والتحرير والحرية. هل كان يساريا؟ لا أدري. قال لي يوما انه لا يدري أيضا ولكنه يحب جيفارا ومعجب ببعض أفكار ماو تسي تونغ وماركس الخاصة بالاقتصاد ومؤمن بالعمل الشعبي والحرفي والزراعة. لا يحب المصانع والمباني الخرسانية.. يقول "أنها دخيلة علي الطبيعية وعلي الأرض.. انها تلتهم الأرض.. يظن البشر أنه انتصر علي الأرض؟ أكثر الكائنات حماقة من يظن أنه انتصر على الأرض، ستلتهمهم يوما ما وتكسر حضارتهم تلك التي لم تحترم الطبيعية وهمشتها خارج مدنها واستوطنت أماكن الماء... ستسحقهم"

غريب. في البداية كان يرسل لي نفس الاغنية كل يوم. تحدثنا أو لم نتحدث بعدها ولكنه كان يرسل لي نفس الأغنية. وحين سألته عنها قال انه يحب تلك الأغنية ولا يعرف سبب أنه يرسلها لي باستمرار. وبعدها تحدث عن الموسيقي. واخذ يتحدث كثيرا عن الموسيقي، وكيف أنها لغة لا تشترط العازفين ولكن تشترط العاكفة أرواحهم على البحث. البحث عن ماذا؟ البحث عن الأشخاص العاكفة أرواحهم علي البحث!

لا أفهم أغلب حديثه. ولكن لا أكتفي منه ولا أتردد من مناقشته في مشاكلي وأفكاري. الحقيقة إنه مستمع جيد. ولكن كل هذا كان في البداية فقط. وما أطول تلك البداية! 
لم تتغير وتيرة حديثه البطيئة الرتيبة. الأيام التي كان يبادر بالنكات والهرج كانت كالأمطار التي تهطل علي أراضي الصعيد. قليلة وحين تأتي، تجلب الدمار. فكان مزاحه ثقيلا. حديثه دوما غريبا، حين كنت اقرأ محادثاته كانت وكأني اقرأ كتابا. أنا احب القراءة، ولكن أليس مُرهِقا أن تجلس كل يوم تُحدث كتابا؟!

الحقيقة أن وسيلة الحديث لها يدا بالامر. فالحديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي وما يماثلها تجعل من الأمر جحيما. لا تسمع الضحكات ولا نبرات الحزن ولا ملامح الهم والعبوث. وكأنك قرأت علي حائط اسود "وضحك" هل ستضحك؟! 
ولكن بالرغم من هذا.. هو يزيد الطين بلة. بتلك الوتيرة. وتلك الأغنية التي يرسلها لي كل يوم!

كما قلت لكم في البداية.. ممل. ففقدت كل طاقة فضولي لمعرفته. واحتل الملل كل شيء. 
حتى أتي يوما ولم يرسل لي الأغنية وتحدث لي مباشرة. بعد أن ألقى التحية سألني 
_"هل اكتفيتِ؟" 
_"أكتفي من ماذا؟" 
من أين يأتي بكل تلك الأحاديث الغريبة والاسئلة؟ 
_"اكتفيتِ من الأحاديث والأغنية؟" تابع. 
ساد الصمت طويلا ولا أعرف لما امتلكني التردد. الحقيقة أنه أربكني ولم أكن أعرف ما المغزي من سؤاله هذا؟ طال الصمت ولم أكن أنوي أن أُطيل. فوجدته يتابع 
_"من الواضح جدا أنكِ اكتفيتِ، ولهذا فقد آن أوان التغيير أخيرا"
لم انطق. 
_"سأنتظرك غدا لنرى ماذا سنفعل.. أيتها الروح التي لا تعلم"
ومضى حينها حتى آتي غدا...

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.