الحلـم أصـدق دائـماً

ماذا لو كانت الحقيقة خضراء، لا تربطها صلة بالأبيض المتوهج في نهاية النفق. ماذا لو لم تكن الحقيقة في الرحلة، أو في المنتصف، أو في العشب السحري القابع في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون، ماذا لو لم تختبئ في حكمة نبي الخليل جبران، ولم تتمثل في امرأة فرعونية يعلو رأسها ريشة نعام؟
ماذا لو لم تنتبه للحن الحقيقة سيمفونية أبداً، ولم يلتقطها مصوّر، ولم تُنحت في ميدان عام، ولم يحمل اسمها شارع، ولم تكتب بحروف مذهبة على باب المعبد، ولم يرسمها الطلاب كل عام في امتحان الرسم، ولم تحقق نِسب مشاهدة، ولم يكن لها مرجع على الإنترنت، ولم تحصد الكثير من الإعجاب لأن تصميمها لا يرقى إلى مستوى أن تكون الحقيقة؟
ماذا لو كانت الحقيقة تقبع تخت شجرة في أزقة القاهرة الخلفية، أو تحت عتب باب صدئ يُغلق على أمواتٍ لم يزرهم أحد منذ واراهم التراب. ماذا لو كانت الحقيقة في وادٍ بعيد ليس للبشري تجارة فيه، أو على أحد أقمار زحل، أو فوق موجٍ سلبه الغروب العابر للشمس لحظة تأمل الشعراء فنسوا أبدية البحر وخلّدوا أفول النجوم. ماذا لو كمنت الحقيقة في قصةٍ لم تجد طريقها للنشر أو في جدارية محاها الزمن أو غطاها طلاء أحادي يناسب المبنى الحديث؟
ماذا لو كانت الحقيقة تتولد من غسيل الصحون، أو من حراسة محصول القمح، أو من نسج خيوط الصوف، أو من بيع الذرة المشوية، أو من محاورة طفل يسأل عن زرقة السماء، أو من مجالسة مريض لا يلتفت إلى الوجود حول فراشه. ماذا لو كانت الحقيقة تجلس منتظرة خلف باب الجيران في نصف كوب من الملح نقايضه فيما بعد بخمس حبات من الليمون؟
ماذا لو اقتربنا من الحقيقة ولم نُبعث من الرماد؟ ماذا لو لم ترسلنا أحراراً، وبدلاً من أن تضيف دفئاً لحياتنا زادتها اضطراباً، ماذا لو كانت تقف في الجهة المقابلة، لو شيدت مزارها أمام نافذتنا البحرية، وأقامت ضريحها فوق مصب النهر. ماذا لو ودت الحقيقة ألا نعثر عليها، لذلك، ربما، اختبأت، وانزوت عنّا، رفقاً ورأفة ببني آدم، لكن الحاجة إلى النور دفعته للبحث عما هو ليس هنا وليس الآن، إذاً ماذا؟
