بعد أن أمضى عشرات السنين يرسم الخط العربي بأنواعه، فيعكف أعواماً على لفظ الجلالة بخط الثلث وأعواماً على اسم رسولنا الكريم بالخط الكوفي، قام بتتويج مسيرته الفنية بكتابة المصحف الشريف. واليوم، هناك أكثر من 10 مصاحف مختلفة بخط يمناه. إذا كنت قد قرأت مصحف المدينة الذي طُبع منه ما يقرب من نصف بليون نسخة، فقد شاهدت أحد أعماله.

عثمان طه خطاطٌ سوري، أغرم بالخط العربي في طفولته وبات يتتبع أشهر الخطاطين في مدن سوريا المختلفة، يأخذ عنهم أصول وقواعد الخط العربي. تعلم الرسم وفن الزخرفة الإسلامية مما أكسب كتابته رونقاً فنياً لا نجده عند الخطاطين محدودي الأفق. وفي سن الثامنة، كان قد كتب بخطه متوناً في العقيدة واللغة.

كثيرٌ من الناس يظنون أن القرآن مكتوب بالحاسب الآلي، ولكننا إلى يومنا هذا نعتمد الخط اليدوي في كتابة المصاحف لأن الحاسب الآلي لا يجيد الخطوط التي تتحرك رأسياً أو بها زوايا مرنة. كتابة المصحف بخط اليد عملية صعبة ودقيقة، يتطلب إتمامها عامين ونصف من عمر أمهر الخطاطين. لكنها ليست فقط عملية إتقان رسم الكلمات بخط معين، بل فن دقيق يستند إلى فلسفة ويتبع تخطيط عسير.

أبدع عثمان طه أسلوبه الخاص في كتابة الرسم العثماني حيث قام بفك التعقيد في بعض الحروف لتستقر الحركات حول الكلمات واضحة للقارئ، كذلك إلتزم ببداية كل صفحة بآية جديدة وهو تحدي صعب للخطاطين، حيث يجد الخطاط نفسه محصوراً بين 15 سطراً يحتاج أن يوزع الكلمات عليهن دون أن تبدو الصفحة متكدثه في أجزاء ومبعثرة في أجزاء أخرى.

على يمين الصورة بالأسفل نرى الصفحة رقم 274 من المصحف المكتوب بيد الخطاط محمد أبو قمر، وعلى اليسار نفس الصفحة من مصحف المدينة الذي كتبه عثمان طه. بمطالعة الآية رقم 70 [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ …] نلاحظ أن الكلمات مبسوطة في مطلع الآية في مصحف محمد أبو قمر ولكنها تتزاحم في نهاية السطر عند :(منكم من يرد إلى أرذل)، بينما قام عثمان طه بتمرير كلمة ”أرذل“ إلى السطر التالي ليحافظ على توازن توزيع الكلمات داخل السطر. ثم نجده في نهاية الآية رقم 71 قد أنتهى حيث أنتهى زميله بعد أن أضاف كلمة ”برادي“ إلى السطر قبل الأخير من الآية دون أن يُحدِث تكدّث في السطر.نجد مثالاً آخر في الآية رقم 68 عند (ومن الشجر ومما يعرشون) حيث تبدو الكلمات على عجل في مصحف محمد أبو قمر بينما تبدو الكلمات واثقات متمهلات في مصحف عثمان طه. كلا المصحفين 15 سطراً للصفحة وكلتا الصفحتين بدأتا بنفس الآية وانتهيتا بنفس الآية لكن مصحف عثمان طه به هدوء بين الكلمات وانسيابية في نسق الصفحات.

لكن هذا الاتقان لم يكن وليد لحظة أو حظ. فقد كتب عثمان طه أول مصحف له عام 1970 لوزارة الأوقاف السورية وعمره 36 عاماً، ثم كتب مصحفاً آخر برواية حفص للدار الشامية، وبعدها كتب مصحف برواية ورش في المدينة المنورة، ثم أتبعه بكتابة مصحف حفص (صفحاته لا تنتهي بآية) على نمط المصحف المصري (الشمرلي). ثم كتب مصحف حفص من جديد صفحاته تبدأ بآية وتنتهي بآية. وكتب مصحفاً برواية قالون، وآخر برواية الدوري، وغيرهم من المصاحف.

يقول عثمان طه أنه لم يكتب قط آية من القرآن الكريم إلا على طهارة، وأنه حينما يكتب الحروف ينسى الكون حوله، يعيش بين الآيات، فيسرع في كتابة آيات العذاب ثم يمهل في كتابة آيات النعيم. يهجر الناس ويخلو بقصص الله فيعيش بينها، ويرسمها في حروفه.