تحديد اللغة واللهجة

“اللغة هي لهجة ذات جيش وأسطول”

الحقيقة التي تعبر عنها هذه العبارة بعبقرية هي تحكم السياسة في تصنيف اللغات واللهجات. ففي أذهان الناس تظل اللهجة هي المستوى الأدنى من اللغة، بينما اللغة هي الكمال التام للتواصل البشري. فاللغة لها قواعد للكلام وللكتابة بينما اللهجة تمثل حالة عشوائية من الحديث الغير منظّم. علمياً هذا غير صحيح، فلا يستطيع الإنسان أن يكتسب لغة أو يتعلمها إلا إذا اتّبعت نظاماً. فكل لغة أو لهجة ينطق بها الإنسان تسيرعلى نظام لغوي حتى ولو لم يتم دراسته أو إرساء قوانينه

في هذا المقال سأتناول الجانبين الأساسيين في تحديد اللغة واللهجة، وهما العلم والسياسة. ثم سأتناول كيف يؤثر كل منهما في شأن اللغات واللهجات


كيف يحدد العلم؟

وفقاً لعلماء اللغة فإن نظرية ”الفَهم المتبادل“ هي التي تفصل بين اللغة واللهجة. النظرية تقول: إذا جلس متحدث للغة (أ) ومتحدث آخر للغة (ب)، وكلاهما لا يتقن لغة الآخر، فتحدثا واستطاعا أن يفهما بعضهما البعض، فإن اللغة (أ) واللغة (ب) لهجتان من نفس اللغة، أما إذا لم يتحقق هذا الفهم المتبادل إلا بدراسة أحد المتحدثين للغة الأخرى، فإن هاتين اللهجتان منفصلتان وكل منهما تعد لغة منفصلة.

بشكل آخر، إذا أحضرنا عراقي ومغربي وتحدث كل منهما بلهجته فلم يفهما بعضهما البعض، فهذا مؤشر قوي على أن اللهجتين أصبحتا لغتين منفصلتين أو تتبعان لغتين منفصلتين، لكن إذا أحضرنا مصري وعراقي وفهما بعضهما البعض فإن لهجتيهما تعتبران لهجتين من لغة أكبر. لذلك، وكما سنرى، فإن علماء اللغة الذين قسّموا اللغة العربية إلى لهجات، لم يقسموها إلى لهجات بعدد بلاد العرب، بل أننا نرى ”اللهجة الحجازية“ مثلاً قد جمعت كل لهجات أهل الحجاز لأن بين هذه اللهجات فهم متبادل، بينما نرى 3 لهجات مصرية — المصرية، والمصرية البدوية، والمصرية الصعيدية — قد تفرقت إلى لغات منفصلة لأن أهل القاهرة لا يفهمون أهل البدو مثلاً. فهذه النظرية تقوم بجمع اللهجات التي بينها فهم متبادل تحت مظلة لغة أكبر ولا يهمها تبعية لهجة ما إلى بلد بعينها. فنجد التقسيم يحدث كما هو موضح في الصورة التالية:

قائمة باللهجات العربية من موسوعة إثنولوج، ونرى فيها ثلاث لهجات مخلفة للمصريين.

نستطيع أن نرصد هذا التعدد وتطوره من خلال منظمة الأيزو، وهي منظمة عالمية معنية بتوحيد المعايير، فقد قامت الأيزو بتوحيد أسماء ورموز اللغات في المعيار رقم 639 الذي صدر منه 639–1، 639–2، 639–3 . في النسخة الأولى من هذا المعيار كانت كل لغة تُمثّل برمز مكون من حرفين، ولهذا السبب لم تكن كل لغات العالم ممثله بهذه الرموز لأن عدد الرموز (مئات) أقل من عدد اللغات (آلاف)، ولذلك في النسخة الثانية استبدلت الأيزو الحرفين بثلاث أحرفٍ ليضمّ المعيار كل اللغات واللهجات. أما في النسخة الثالثة فقد قامت بوضع تعريف جديد وهو ”لغات الماكرو“ وأعطته للغات التي يعتبرها البعض لغة واحدة ولكنها في السياق العلمي تعتبر عديد من اللهجات المختلفة التي أصبحت مستقلة لا يوجد بينها تفاهم متبادل، أي أن لهجات هذه اللغة الماكرو أصبحت تُكتب وأصبح لها محتوى أدبي خاص بها يجعلها لغات منفردة

منظمة ”الأس آي إل“، وهي القائمة على موسوعة إثنولوج التي سنذكرها بعد قليل، قد عرّفت لغات الماكرو في هذه الشرائح على أنها ”العديد من اللغات الفردية المرتبطة ببعضها البعض والتي تُعتبر في بعض سياقات الاستخدام لغة واحدة“ ثم نجد في نفس الشريحة مثال على اللغة العربية والتي، من وجهة النظرالعلمية للمنظمة ، تُعد لغة ماكرو. إذاً، فمنظمة ”الأس آي إل“ تجيب على سؤالنا ”هل اللهجة المصرية لغة؟“ بنعم. بأن العربية هي لغة ماكرو مكونة من 29 لغة منفصلة مثل المصرية والشامية والحجازية، الخ. وذلك عن طريق استخدام نظرية الفهم المتبادل

لكن هل تؤثر هذه النظرية على وعي المجتمع المحلي أو الدولي الخاص باللغة العربية ولهجاتها؟ يظن البعض أن العلم لا يؤثر إلا في الأكاديميا فقط، مثل التأثير الذي لمسناه في تطور معيار الأيزو بفعل نظرية الفهم المتبادل، وأن العلم لا يؤثر تأثيراً حقيقياً على الوعي المجتمعي تجاه لغة أو لهجة، لكن هذا غير صحيح. فحتى وإن اتفقنا على أن الأكاديميا تأثيرها ضعيف أمام ”الجيش و الأسطول“ فإن لها تأثيراً ودوراً ملحوظاً كما سيبينه المثال القادم

كيف يؤثر العلم؟

إثنولوج هي أهم موسوعة لغات في العالم، صدر منها حتى الآن 17 إصداراً، ومن أهم ما تقدمه هذه الموسوعة هو عدد اللغات واللهجات بجانب إحصائيات استخدامهن. فإذا نظرنا إلى الجدولين في الصورة بالأسفل، سنرى على اليسار قائمة بترتيب لغات العالم من حيث عدد المتحدثين بها كلغة أولى، وهي من الإصدار الـ13 للموسوعة. وعلي اليمين نرى النسخة الموجودة في الإصدار ال17 للقائمة.

مقارنة بين حجم اللغات بالنسبة لعدد المتحدثين بها كلغة أولى، وفقاً لموسوعة إثنولوج الإصدار الـ 13 والإصدار الـ17

نلاحظ أن في النسخة الحديثة -والتي اعتمدت نظام الأيزو الأخير 639–3 فإن اللغة العربية قد احتلت المركز الخامس، وهي موجودة كلغة ماكرو تندرج تحتها اللهجات العربية، بينما في النسخة القديمة -والتي اعتمدت نظام 639–2 لا نجد اللغة العربية من ضمن أكبر 20 لغة! السبب كما ذكرنا هو أن موسوعة إثنولوج، التابعة لمنظمة ”الإس آي إل“، تعتبر كل لهجة من لهجات العرب لغة في حد ذاتها. فإذا تصفحت باقي هذه القائمة من الإصدار الـ13 لن تجد اللغة العربية، ولكن ستجد في المركز الـ25 اللغة المصرية العربية. لا أعرف بالضبط متى اعتمدت الموسوعة النظام الجديد وبدأت تظهر اللغة العربية مجدداً في المراكز الأولى، بصفتها اللغة الماكرو للغات العرب، حيث أنني لم أجد القائمة في أرشيف باقي الإصدارات.

لكن النقطة هنا أن هذه الموسوعة هي مصدر مهم يستند إليه الأكاديميون لتحديد اللغات واللهجات، ومن ضمن هؤلاء الأكاديميون من يحرر ويكيبيديا

في الصورة المقابلة قائمتان لترتيب اللغات وفقاً لعدد متحدثيها ولكن هذه المرة من موقع ويكيبيديا. على يمين الصورة نرى النسخة التي كانت تطالع العالم حتى يوم 2 يناير 2015 — أي منذ أسبوعين — وبجوارها على اليسار، القائمة بعد تعديلها لتظهر اللغة العربية في مركزها، المركز الخامس.

وتماماً مثل إثنولوج، ظلت اللهجة المصرية وسائر لهجات العرب تحل محل اللغة العربية لتعطي للقارئ انطباعاً بأن تلك اللهجات هي لغات مستقلة مثل الألماني والإنجليزي! ليس هذا فحسب، بل أنك إذا استخدمت خاصية المقارنة في ويكيبيديا لتقارن بين النسخة الحالية لمقال ”قائمة اللغات حسب العدد الإجمالي لمتحدثيها“ — باللغة الإنجليزية — وبين النسخة التي كانت تظهر للعالم قبل يوم 2 يناير 2015 ستجد هذا السطر الذي كان يتبع القائمة القديمة وقد حُذف في التعديل الجديد: ”العربية قد ضُمّت إلى القائمة تحت مسمى العربية المصرية. حيث أن العربية لا يتم اعتبارها لغة واحدة في موسوعة إثنولوج“. هذا السطر كفيل بأن يعطي للقارئ إنطباعاً بأن اللهجة المصرية أصبحت لغةً.

السطر المحذوف من مقال ويكيبيديا الذي يعكس القائمة القديمة لموسوعة إثنولوج

فكما هو واضح، العديد من المقالات التي تتحدث عن شأن اللغات، في ويكيبيديا أو في الصحف اليومية، تعتمد هذا التصنيف العلمي الموجود في موسوعة إثنولوج. فحتى وإن كان العلم بمعزل عن العامة وتأثيره على وعيهم ضعيف، إلا أن القنوات المختلفة التي تعالج هذه المواد العلمية لتبسيطها وعرضها على العامة لها تأثير قوي على فكرهم ورأيهم.


كيف تحدد السياسة؟

أما وقد ناقشنا التأثير الأكاديمي والذي دفعنا بطبيعة الحال إلى سرد الأرقام والقوائم، فدعونا نستعرض القاعدة السياسية القصيرة في تحديد لغات العالم ولهجاتها: عُدّ الأعلام

عُدّ أعلام الدول تحصُل على عدد لغات العالم، ثم اعتبر كل ما دونهن لهجات. فبالنسبة لعالم السياسة اللغة قوة، والقوة ملك للدولة. وكل لغة ليست ملكاً للدولة لا يجب أن يعطي لها الناس قيمة، لهذا السبب يحبذ السياسيون مصطلح ”لهجة“ بينما يفضل اللغويون تعبير تنوع لغوي

كيف تؤثر السياسة؟

أ- الصين: الصين بها لغات عديدة مثل الكانتونية والهاكا والشانغانية. هذه اللغات لا يوجد بينها فهم متبادل. وعلى الرغم من أن متحدث للكانتونية لن يفهم حديث الناطق بالهاجا فإن الصينيين يعتبرون هذه اللغات ”لهجات“ من الصينية لأن الصين دولة واحدة كما تنص الدولة.

ب- الأسباني والبرتغالي: هنا نجد الحالة الأخرى، فمتحدث الأسباني كثيراً ما يستطيع أن يفهم البرتغالي من واقع لغته الخاصه ودون الحاجة إلى تعلّم البرتغالية. فوفقاً للقاعدة الأكاديمية، هاتان لهجتان! لكن لأن لهذه دول ولتلك دول أخرى أصبحتا لغتين مختلفتين بدلاً من لهجات لنفس اللغة

ج- الهندي والأردو: كانتا لغة واحدة، اسمها هندوستاني، ولكن الآن، وبعد أن أصبح هناك دولة الهند ودولة باكستان بسبب الاستعمار البريطاني، انفصلتا، واختلف نظام كتابتهما. وعلى الرغم من وجود فرق واضح بين اللغتين الآن إلا أنه ليس كالفرق الكبير بين لغات الصين مثلاً.

د- اللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات، تتأثر بالسياسة. فهناك التأثر الناتج عن الفتح الإسلامي للبلاد العربية، أي عندما اختلط اللسان العربي للمسلمين بلسان أعاجم هذه البلاد. وهناك الاستعمار الإنجليزي والفرنسي الذي أضعف اللغة العربية ودفع بعض الدول إلى تبنّي الالفاظ الغير عربية في لهجاتها ثم تطويرها والانفصال بها تدريجياً عن اللغة العربية. لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن تنوع لهجات العرب سببه تعدد ”جيوش وأساطيل“ العرب.

عندما تفرقت القومية العربية إلى بلاد تفصل بينها الحدود، لم يعد يجمعنا سوى لغتنا العربية الموحدة التي تفترسها الآن العاميات. بلا تجارة أو تعليم أو جيوش مشتركة بين البلاد العربية ستظل كل بلد منعزلة عن الأخرى وسينعكس هذا الانعزال السياسي على اللهجات العربية التي ستتطور لتحتوي كل منهن ثقافة شعبها وحده. ففي الماضي كانت لدينا العربية الكلاسيكية، وهي العربية التي نقرأها في القرآن وفي معلقات الجاهلية وفي كل الأدب الذي كُتب قبل الفتح الإسلامي. ثم جاء الفتح الإسلامي واختلط العرب بالعجم وتعكّر صفاء لغتنا، هنا اسرع اجدادنا في تدوين العربية الفصحى أو العربية الحديثة، واهتموا بكتابة معاجمها وصيانة عباراتها بالنحو. أما الآن، فإننا على مشارف مرحلة جديدة يهجر فيها العرب لغتهم الفصحى، ويدرس فيها الأعاجم لهجاتنا الدارجة، بينما نضع بأيدينا، بوعيٍ أو بغير وعي، اللغة العربية على الأرفف كختام لتراثنا العربي.