إبـــرة بيـهزاد
لم يكن الألم الذي أصابه هو الناتج عن عملية الاختراق نفسها، بل عن إدراكه حتمية هذه النهاية. فرؤيته لرأس الإبرة المدبب وهو يقترب من عينه متخذاً شكل دائرة سوداء تكبر باستمرار وتمتص الألوان التي لطالما أحبها كانت بمثابة إشارة إلى اقتراب موعد الرحيل. ليس الظلام التام والسريع هو ما حلّ على عينه كما توقّع، بل نزيف غليظ للألوان، بطيء وهادئ، كأن العالم الذي اعتاد أن يرسمه أدرك النهاية وبدأ يبكي.
عثمان — قائد ورشة الرسم الخاصة بالسلطان العثماني في رواية ”اسمي أحمر“ — وجد يده، من تلقاء نفسها، تعثرعلى مكان إبرة الفنان بيهزاد الملقاة بين صفحات ”كتاب الملوك“. وتماماً مثل امرأة متمرّسة تكحّل عينيها أخذت يده تقترب باتّزان ساكن ومطمئن حتى لحظة الوخز. وبينما هو ينقل يده من عينٍ إلى أخرى خطف نظرة سريعة، وأخيرة، إلى لوحة خسرو وشيرين، مدركاً تمام الإدراك، وبعد أن طالع الـ259 لوحة من الكتاب، أن بيهزاد لم تمس ريشته أياً من هذه اللوحات، لأن ليس هناك من بين كل تلك الأيادي المرسومة يد كتلك التي يرسمها بيهزاد والتي من خلالها، ومن خلالها فقط، تستطيع أن تفرّق بين الأفراد المتساوين في ملامح الوجه؛ كشاعر يثني على الملك وفقير يريد العطف.

تأكد عثمان في هذه اللحظة أن بيهزاد قد أعمى نفسه قبل الشروع في هذا الكتاب، وأنه كان قد أتقن فنه وحفظ أساليبه إلى درجة تمكّنه من رسم الأشياء من الذاكرة حتى لا يتمكن سلطان جديد من إجباره على الرسم بأسلوب مختلف. فيما بعد، يضع الشاه هذه الإبرة في الكتاب قبل أن يهديها إلى السلطان العثماني الجديد ليصبح معروفاً لدى الجميع أن كل من ستقع عيناه على هذه اللوحات الفارسية لن يرغب في رؤية شيء آخر بعدها. بيهزاد، الذي آثر أن يطمس نفسه وينتحر فنياً على أن يستخدم ريشته في رسم العالم كما يراه الآخرون –يصدع بالوحدة والغرور- هو الذي دفع عثمان إلى المصير نفسه. فعندما أدرك أن أحد تلامذته قد رسم السلطان على النمط الأوروبي ذهب إلى مكتبة القصر ليمتّع عيناه بلوحته المفضلة لخسرو وشيرين لتكون هي آخر ما يراه قبل غزو النمط الفينيسي الشيطاني لأسطنبول والذي يرى الشجرة ويرسمها على أنها كومة ”مميزة وفريدة“ من الخشب والورق.
هذا الاختيار — العمي — قد قدّم نفسه لبيهزاد، ومن بعده عثمان، على أنه نهاية حتمية لحياة كل منهما. لم يمر عثمان بصراع عميق بين قوى الخير والشر بداخله ليجد في انتحاره انتصاراً لأحد الطرفين كما قد تصوره أغلب الروايات، بل وجد نفسه محمول حملاً إلى هذه النهاية الحتمية لتنتقل الدراما من فصل النهاية إلى فصل الاختيار الأول الذي دفعه منذ بداية الرواية إلى هذه النهاية الحتمية التي وجد فيها الراحة والحياة.
يقول باموق في الرواية: ”لكني، على كل حال، أعرف هذا: عندما تحب مدينة قد قمت باستكشافها كثيراً على قدميك، فإن جسدك، تماماً مثل روحك، سيعرف الشوارع جيداً بعد عدد من السنين حتى أنه في لحظة حزن، ربما يحركها ثلج خفيف يتساقط في شجن أبدي، سيجد رجليه تحملانه من تلقاء نفسهما تجاه أحد أماكنه المفضلة“. في العامين الأخيرين جبت شوارع القاهرة القديمة، وحدي، ولأيام طويلة، وقد حملتني حاراتها إلى أفكارٍ لم أكن لآتي إليها من تلقاء نفسي. التشابه بين حبكة إسطنبول والقاهرة، تماماً مثل التشابه بين محفوظ وباموق، يجعلني أفكر في كل فنان قد يكون قد فقع عينيه قبل أن تصل المدينتان إلى هذه النهاية الحتمية من التغريب.

أسوار مدينتي المثقلة بالذكريات تتلاشى اليوم بين الحوائط المرتفعة لبنايات العصر الحديث، والدروب التي ضربت جذورها في هذه البقعة من الأرض لسنوات طويلة أعيد رسم مساراتها لتنتهي عند رؤىً أخرى. وخلال إعادة تشكيل روح المدينة، استمر المجهود المضني لتهشيم المشكاوات التي عكف عليها نافخ الزجاج واحدة تلو الأخرى، وانتزاع الحشوات العاجية التي احتضنها الفنان بين يديه تماماً كما احتضنها الباب القديم. وفي لحظة سريعة، ربما تأمّل فيها الفنان للمرة الأخيرة عمله، يُدخِل الإبرة مقدار عقلة ونصف في عينيه قبل أن تتحول جدران قلعته إلى مسرحاً لعروض الأزياء.

الذكريات التي تكدّست وتزاحمت في هذه الأزقة العتيقة تبث في سالكها وخز كالوخز الذي أحسه بيهزاد وعثمان، ليس الناتج عن دخول الإبرة في العين، ولكن عن إدراكه حتمية هذه النهاية. حتمية تفريغ هذه الأماكن من رؤيتها للعالم واستبدالها بما هو منفرد ومغرور. هذه النهاية الحتمية للمدينتين هي ما اختزلته شيكيور في فصل الرواية الأخير، عندما اعترف الجاني بسرقة اللوحة الأخيرة من الكتاب قبل أن يتم إضافة البورتريت الخاص بالسلطان في منتصفها على أسلوب سيباستيانو. ولدهشة الجميع، عندما كُشف الستار عن اللوحة الأخيرة، لم يكن بورتريت السلطان هو الذي يقبع في منتصف اللوحة المحاطة بإطار يجعل اللوحة أقرب إلى النافذة التي تتطلّع إلى عالمٍ جديد منها إلى لوحة في كتاب، بل البورتريت الخاص به هو. ولأول مره أحس الجاني أنه مميز ومستقل، خاضع لنفسه ولشهوته.
لم ينكر الحضور رغبتهم في أن يكون البورتريت هو البورتريت الخاص بهم أيضاً، لم تُخْفِ أعينهم التطلّع الدفين إلى أن يُرسموا بهذه الدقة. ولذة أن يكونوا في المنتصف، وأن تنضح درجات الاحمرار المختلفة في شفاههم بكل خلجة تمر في قلوبهم الوحيدة. وأن تحمل الطبيعة وما يعيدوا تشكيله منها أسماءهم، وأن تُخَلِّدَ هذه الأسماء حياتهم وذكراهم، وأن يستمروا في رؤية العالم حتى وإن كان هذا يعني أن يتوقفوا عن رؤيته حسب ما يعلمون أنه الحقيقة. حينها قالت المستفزة شيكيور:
“لقد نسينا بقسوةٍ كيف أننا اعتدنا يوماً أن نرى العالم بشكلٍ مختلف”