لماذا نصدق ان الاسلام بالذات مرسل دون غيره من الخالق؟

صديق يسال: “لماذا الإسلام؟ انا مؤمن باله خالق للكون فما الذي يجعلني اؤمن بالإسلام بالذات؟
ما الذي يجعلني احكم علي شخص ما بحد ذاته انه يأتي بكلام من عند الخالق؟
فالمعجزات و النبوءات نفسها ليست دليل كافي قد تكون صدفة او قدرات خاصة كالتي نراها في بعض الأشخاص و لا نقول انها دليل نبوة.”

بالفعل أسئلة مهمة جدا و للأسف يتم تجنبها عادة.
وردي هو ان الاسلام (او الدين الصحيح) يجب ان لا يتعارض مع صفات الله المعلومة بالضرورة لمن يؤمن بالله كخالق، مثل ان الله موجود، و متعالي خارج الزمان و المكان و مطلق القدرة و مطلق العلم، و مستغني عن خلقه و بالتالي عادل. و انه خلق الكون بلا احتياج لزمان مما يعني انه خلقه كله بتعاقب الماضي و الحاضر بما لا يزيد عن ارادته عز و جل للوجود ان يوجد (بالتعبير الإسلامي ان قال له “كن فيكون”) و بالتالي فهو بالضرورة قيوم لان ارادته نافذة في كل حدث ، لا كسبب و لكن كتصميم. فهو يرزقك الان مثلا بالماء لانه صمم الكون بان يتلاقي مسار الماء معك فمك في هذه اللحظة بالذات، بالتالي هو متصل الربوبية و القيومية. لان القيومية لا تنفصل عن الخلق

طبق هذه الشروط علي غير الاسلام لن تنطبق. فهو في العهد الجديد متجسد متحيز يجري عليه صروف خلقه. وفي اليهودية غير عادل و يحتاج لخلقه و يغضب و يمكر و يمكر عليه و يتمني عمل شئ و لا يستطيعه كالهة اليونان، و في عقيدة الربوبيين و من علي شاكلتهم كالبوذية ليس قيوم و منفصل عن خلقه.

ببساطة الاسلام هو نفس الدين الذي ستصل له بالفطرة ان تدبرت كابراهيم عليه السلام، بل ان ابن قيم الجوزية اورد مقارنة بين الصفات التي اثبتها سقراط منطقيا لله عز وجل مع عقيدة اهل السنة و الجماعة فاذا هي تكاد تتطابق.

وبالنسبة للمعجزة انا اتفق معه فقد تكون المعجزات هي اوهام سحرة او انبياء كذبة. و لهذا فالإيمان لا يشترط له بالضرورة المعجزات. و التصديق بان القران كلام الله لأنه ببساطة لا يأتيه الباطل من بين يديه، و هذا امر غير مألوف و خارج من الدنيا. و ان اتى لك شخص لا تعرف له دينا بمنهج يحتوي لأول مرة في تاريخ البشرية علي تصور متسق تماما مع الفطرة و المنطق و يضع لك فصل الخطاب في كل الاشكالات الاخلاقية و التاريخية و الاهداف الاجتماعية و السياسية و الممارسات الشخصية و حتي اتيكيت التعامل مع الاشخاص فستقبل هذا المنهج منه و تتدارسه و توصي به اولادك حتي و لو لم يقل لك انه من عند الله.

فمابالك بسورة مثل الحجرات في ١٨ اية تاتي بنظام اجتماعي كامل من التعامل مع العلماء الي التعامل مع التدرجات الاجتماعية و الاسرية المختلفة، ثم اساسيات العمل السياسي و الدبلوماسي في حالات الحرب و السلم و اسس التفاوض الدولي و التقاتل، ثم منهج اجتماعي في توحيد الصفوف اجتماعيا و تاليف القلوب حتي في البلدان المنشقة اجتماعيا مثل مصر، ثم منهج اخلاقي هو جوهر الاصلاح الاجتماعي، ثم منهج التعامل بين افراد الاسرة، و في دور المراة و الرجل و علاقتهم ثم في الحدود الفاصلة بين التدين و الاخلاق و التشارك الاجتماعي وفي تفصيل درجات التدين و الاعراض الظاهرة للحكم و التفرقة بين المؤمن و بين تجار الدين و مدعيه . و ينهي بالأعمال الباطنة للأيمان و بتحميل الايمان و الاخلاق و المنهج الاجتماعي لهذا الدين للفرد كمسئولية فردية بين الله و العبد. 
كل هذا الاسهاب، وفصل الخطاب و بإيجاز مذهل خارج قدرات ما نعرفه وضع منهج اجتماعي يجمع لأول مرة في تاريخ البشرية بين المثالية الاخلاقية و البرجماتية بدون ان يضحي بأحدهم، و كل هذا بلا خطأ واحد حتي لو كان هامشي، بل خلال ١٤٠٠ سنة لم يحدث موقف اجتماعي في تاريخ البشرية يمكن الا يحل او يتجنب باتباع منهج هذه السورة. و لم يحدث في تاريخ العلوم ان ان استطاع اي من عباقرة البشرية ان ينتجوا علي مدار حياتهم كلها اي منهج اجتماعي (من شيوعي، لنيوليبرالي لعدمي.. الخ) يمكن ان يطبق ليس علي الانسانية بل حتي علي بلدة واحدة لمدة ١٠٠ سنة متصلة بدون ان ينهار بعد ان يعاني من كل الامراض الممكنة. فمن كتب مثل هذه الآيات الثمانية عشر هو بلا ادني شك يتفوق علي جميع عقول البشرية مجتمعة.
فان جاء أحدهم بهذه ال١٨ اية وقال لك انه من عند حكيم عليم مطلق القدرة والعلم، والدليل هو منتج معرفي محكم بشكل مطلق، و ان اردت ان تجرب بنفسك فاجمع كل علماء الاجتماع و السياسة و الاخلاق في جامعات العالم ثم اطلب منهم اني ياتوا ب١٨ اية مثلهم فيه نظام بديل و يكون علي نفس درجة الاحكام (فلا يحل مشكلة و يصنع أخرى، او يمكن تطبيقه في مكان او زمان ولا ينفع في أخرى، و ان يكون متسقا مع نفسه لا يتعارض جزء من المنهج مع جزء اخر كبقية المناهج البشرية التي عرفناها). فان لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا فيجب لك ان تؤمن بان هذه السورة وحدها فوق قدرات البشر و لا طاقة لبشر بكتابتها. 
فان امنت بهذا، الا تسلم فقط بعد قراءتك لسورة الحجرات.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Amr Farouk’s story.