ثم تكتشف فجأة، أنّك تحبّ الكويت!
مارين بالبسفور، الذي تُقام على أمواجه أعراس تنافس بمجموعها في الليلة الواحدة أعراس فيغاس الصّاخبة، رأيت مشاجرة بالأيدي وسط المئات، لم يتحرك لها أحد، تتسع الفجوة حولها أكثر كل ثانية والنّاس تراقب من مكانها، في الكويت، بكل ثانية، تضيق الفجوة، و”يفزع” النّاس، نبدأ بإلقاء الحكم والمواعظ التي لا نؤمن بها ربّما،ولو لم تفلح ركاكتها بإقناعهم، يتطور الأمر إلى تدخّل باليد وإحكام الإمساك بكلا الخصمين، وتهدئتهما كل على حدة، لأننا، بشكل أو بآخر، نحبّنا، ونحب الكويت.
كان طالبًا بالسنة الثالثة في كلية الهندسة ربّما، ممتعض من دراسة مواد اختيارية وأخرى إجباريّة خارج تخصصه، إحدى المواد الإجبارية ( تاريخ الكويت الحديث والمعاصر ) ، سخر أحد الطلاب -طالب بكلية الطب- قائلًا : أصبح للكويت تاريخ إذن؟، ردّ الممتعض : ومعاصر أيضًا!، الأوّل يدرس الآن بكلية الدراسات العليا في جامعة الكويت، كما الآخر، الذي تبلغ تكلفة دراسته ١٠٠ ألف دينار، لم يتعرض لهما أحد، تركتهما بلا ردّ، الأول حالم بالهجرة لبلد لقيط مثل أمريكا، هل سيعترف أنها بلا تاريخ؟ أشك. المميز في أنك كويتي، لا أحد يعرفك، ولا يعرف قصّتك، أنت محكوم بسيناريو واحد طوال حياتك، أحيانًا يتلبسك، وأحيانًا تفر منه فرارًا، بين النّاس، ما يخرج من جيبك هو ما يعرّفك، ستعلو بعلو سعر عملتك، وتهبط بهبوطها، أو العكس ربّما؟ العكس، مثل أن تهبط عمتلك فتعلو قيمة أن تكون معانيًا؟ ككويتي، لا يجدر بك أن تعاني، الحكومة تعطيك بيت كيف تعاني؟، البيت الذي تظلّ قروضه تهشم ظهرك لآخر أيام حياتك، آلامك كلها مؤجلة، أحلامك كلها مؤجلة لكنّك رغم هذا، تحبّ الكويت.
أمام البحر، الذي تدور حوله معارك استراتيجيّة كبيرة، كنيسة، ربما ليست بعمران كتادرائية كولونيا أو بعراقة كنيسة المهد ، طابوق عاديّ كالذي تبنى به بيوتنا، لكن أن ترى حوله الهنديّات يمشين بساريهن، ثم يخرجن ليعبرن الشارع، فيلتقطن صورًا بكلّ بهاء أمام البحر، بنفس النشوة، للمرة الألف ربما، هذا أغلى ما في الوجود. في أيام العطل الإسبوعيّة يصبح المكان أشبه بجنّة، الكادحون من الجالية الفلبينيّة والهندية يلتقون بعائلاتهم، مثل أزهار على أرض لم تستطع أن تجود إلا بالعشب، في شارع الخليج العربي، تدرك فجأة أن الكويت حُلوة، ممشوقة، ينحني قدّها عند أبراج الكويت تمامًا، مثل خصر غانية، تنظر إليها بشزر ، ثم في وحدتك بعيدًا، تفكر بها.
في الكويت هناك نوع شجر واحد يقبل أن يزرع، لا أعرفه، لكنّه يعرفنا، يقف أمام الغبار صامدًا مثل عامل مجدّ ملطخ بكبد العيش، يسقط المطر، يخضرّ أكثر ويلمع بحبور، هل سيزدري تناقضنا؟ لا، نحبّ تناقضنا، ونحبّ الكويت.
المعضلة كل المعضلة أننا قريبون، نعرفنا ونعرف قصّتنا، أي احتكاك سيفضي لخدش، أو عاهة مستديمة، نُبقي المسافات القصيرة بعيدة تفاديًا لأي أزمة، نحن أعقد مما يتصوره النّاس، ومما نتصور نحن حتى، في الجامعة أنظر لفتاة تقود بنتلي بضجر، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ بعد دقيقتين أفكّر بكل هذي الفجوات الطبقيّة، بكل هذا التناهي في الصغر، والتعقيد، قرأت تغريدة قبل يومين لسيّدة من المناطق الداخليّة ، منزعجة من وجود “الهيلق” في منطقتها، أرجّح أن يكون هذا التواجد في الجمعيّة ربّما، تعدّ جمعيات المناطق الداخليّة مثل المزارات لأهل مناطق “الهيلق”، جمعيّات “الهيلق” تشبه كافتيريا السجون، مثل خوائها تمامًا، في صغري كان الذهاب لجمعية الشاميّة نزهة مترفة في أيام العطلة الإسبوعيّة، في طريقي للعودة من الجامعة للبيت أبتسم لها ابتسامة الصبيّ المدين لدّكان ما بسعادته كلّها، إلى هذا الحد، تكون السعادة قريبة منك في الكويت، في الخارج، أتساءل كيف يقطع الانسان ٣ ساعات ليصبح سعيدًا؟ مجملًا، ونيابة عنّي وعن الهيلق جميعًا أقول : نحبّ الكويت، كلّها كلّها.

