بين متاهة العلاقات وقيمة المشاعر

غالبية معشر البشر كرماء في مشاعرهم، بل مسرفين، مبذرين ومفرطين..، ولأن البالغة والمغالاة في أي شيء يفسده، قد تفسد علاقتنا أيضًا إن انجرفنا في نهر البدايات.

إن أخطر مايمر به الإنسان هو الوقوع في فخ التصور الأول وقداسة الانطباعات الأولى، إن هذا اللمعان الزائف ينبغي للإنسان تفاديه لأنه مثلما قيل "ليس كل مايلمع ذهب!".

المشاعر أقوى وأكبر وأعمق من أن تُهدى أو تُشترى، المشاعر هي التي تعطي نكهة ولون وحياة للحياة، كلنا نتفق أن التجارة والتدليس والكذب فيها قد يدمّر حياة إنسان، لكن المدمّر الأعظم هو "تسليعنا للمشاعر" فكيف بالشيء الثمين الذي لا يُشترى أن تقدمه في طبق من ذهب بثمن بخس!

لنتخطى هذه العقبة، ينبغي أن ندرك مفهوم المشاعر، فالمشاعر أغلى من أن نعطيها لأحد لا يستحقها. إن هذا الإستنقاص اللاواعي من قيمة المشاعر، هو الذي يجعلنا نتخبط في العلاقات بعشوائية .

إن مانعيشه من فيضان وتدفق للمشاعر في بداية العلاقة قد يجعلنا نتنبأ بتفككها..فسرعان ماينطفئ هذا الوهج، أو نستطيع القول بأن هذا الوهج سيصبح سرابًا، بما في ذلك الشغف، إن العلاقات التي تُبنى على أساس هش سرعان ما تنكسر بل وتتهشم وتصبح رمادًا في مهبّ الريح.

لماذا هذا الإحساس الذابل المنكمش؟! هل هو تصوّر زائف؟! أم هو خطأ لعدم وضع الأمور في نصابها الصحيح؟! أم اختلال في الحجم والوزن؟! أو هل المشكلة من الشعور بالخذلان الذي يجتاح الإنسان أم المشكلة من الطرف الآخر؟!. أسئلة كثيرة تستحق أن نطرحها لنتوصل لإجابات تحتمل الكثير من الصواب.. وبهذه الإجابات قد نجد ضالة المشاعر.

الإنسان خُلق عجولًا بفطرته يعجبه الشيء فينتابه الفضول، فيكتشفه، فيفتر، فيمل.. وتنتهي تلك العلاقة بالذبول ومن ثم الموت. راقب نفسك مع طعام أعجبك شكله أو لونه أو رائحته، فتذوقته، فأحببته، فأصبحت تأكل منه يوميًا دون انقطاع، ربما استمريت في أكله والتلذذ به أسبوع ومللت منه، أو البعض منا يستمر في أكله والتلذذ به شهر ويمل منه، والبعض منا أكثر من ذلك.. ولكن حتمًا في النهاية كلنا نتفق أنه سيفقد شهوته في أكل هذا الطعام، والسبب يعود في إفراطه. إن هذا الإفراط في الطعام ينطبق على العلاقات، عدم توازن كمية وحجم وتدرج المشاعر في العلاقات قد يسبب موتها. ولأننا عجولين أيضًا، نحب أن نستكشف كل جديد وبما في ذلك العلاقات التي نبنيها، فإن كان أساس هذه العلاقة قد بُنيَ على عجلة الفضول.. فحتمًا ستُهدم ما إن ينكشف كل شيء.

لماذا يجتاح الإنسان ذلك الشعور بالخذلان؟، ويتخذ وضع المظلوم من الطرف الآخر في العلاقة!؟ لماذا لا يرجع للسبب الرئيسي وهو أنه أعطى مشاعره لشخص لا يستحقها، بل وأفرط فيها وباعها بثمن بخس. لماذا لا يدرك أن لا أحد غيره سيتحمل سوء إختياره!؟ الأمر يرجع للعجلة والتخبط بعشوائية في المشاعر. مثلما ذكرت سابقًا أن الإنسان يعجبه الشيء، فينتابه الفضول، فيكتشفه، فيصيبه الفتور، فيمل.. ثم بعد ذلك يرتدي سترة المخذول، ويأخذ وشاح المظلوم!

نفس الإنسان عالم عجيب، تحب المرء فتراه ملاكًا ثم تكرهه فتبصره شيطانًا وبين ذلك وذاك ما كان ملاكًا ولم يكن شيطانًا.. لكن تبدلت حالة البصيرة له.

إستقرار العلاقات، والمحافظة على قوتها يبدو أمر في غاية الصعوبة. فالأمر يتطلب السيطرة وكبح النفس المائلة للعجلة، التأني، التمهل، التدرج، الصبر، التسامح، الإنسياب. وهو ثابت في مستوى صعوبته على مايبدو. لكن قد يوجد حل أسهل من ذلك، وهو النظرة المحايدة للطرف الآخر بعدم تصوره في مقام الملاك وأيضًا عدم تصوره كشيطان.

إن الإتزان في كمية المشاعر الملقاة على العلاقات ليس شرطًا أن يحمينا من فتورها، فكرة "فتور العلاقات" قطعًا ستكون موجودة في أي علاقة تقام، خاصة تلك العلاقات الطويلة والعميقة. ولإثبات حتمية ذلك المفهوم فأقرب مثال نضربه في مجتمعنا العربي هو "العائلة"، علاقتنا مع أهلنا الذين ترعرعنا بينهم والذين هم من منا وفينا، قد يصيبنا الفتور معهم لفترة.. ثم ترجع لنا حيوية العلاقة بهم من جديد، لأنهم ببساطة أهلنا. إنّ إدراكنا لهذا المفهوم الحتمي قد يساعدنا في إعادة النبض للعلاقة الفاترة. قد يكون بتركها مدة للرجوع بلهفةٍ إليها، وقد يكون بكسر الروتين فيها. المهم أن لا نستسلم ونبتعد كل البعد، فنحن من نقبض روح العلاقة ونحن من نستطيع إحياءها.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.