شعار الآلاف
إنتشار التخصص وتغييب المتخصصين
ربما يكون من الأشياء القليلة التي ينتقد فيها العماني نفسه — عبر الشبكات الإجتماعية على الأقل — هو أنه يستطيع أن يكون متخصصا في كل شيء تبعا للقضايا أو الأخبار المنتشرة عبر تلك الشبكات على وجه الخصوص. فهو أخصائي الطقس والمحلل السياسي والخبير الإعلامي والمدرب الرياضي والإستشاري الإقتصادي، وهو الأمر الذي قد يحدث ضجيجا حول تلك القضايا والأخبار بحيث يغطي على آراء وأفكار المتخصصين الحقيقيين في مختلف المجالات. بينما قد يحدو أيضا ببعض المتخصصين للنأي عن طرح تلك الآراء والأفكار عبر الشبكات الإجتماعية تجنبا للصدامات أو أكثر من ذلك الإتهامات بالإنحياز أو العمالة أو المحاباة خاصة إذا كان رأيهم المتخصص لا يتوافق مع أمزجة مدعي الإختصاص.
وربما لن يكون آخر مجالات الإختصاص التي يستلذ الكثيرون الإفتاء فيها مجال الهوية التجارية، وهو ما لامسته بحكم تخصصي في الهوية التجارية ومراقبتي اليومية لشبكات التواصل الإجتماعي كجزء أساسي من عملي. آخر مظاهر ذلك كان إطلاق الهوية الجديدة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. وإذا ما أمعنا النظر في تفاعل الجماهير معه لخلصنا إلى نتائج عديدة سأختصرها في نقاط، ولكن قبل ذلك فإنه يجب التفريق بين ما يمكن أن يكون آراء ووجهات نظر شخصية، وما يمكن أن يبدو تحليلات وآراء متخصصة.

أولا: أن شريحة كبيرة من الجمهور تلقت الحدث بأحكامها المسبقة التي كانت غالبا سلبية، وقد يكون التبرير الوحيد لذلك هو افتقار المؤسسات الحكومية سابقا للمصداقية في مشاريع الهوية التجارية وضآلة قصص نجاحها في تخطيط وتنفيذ وإطلاق تلك المشاريع.
ثانيا: أنه في كل حدث مرتبط بهوية تجارية أو بصرية جديدة فإن تفكير فئة من الجمهور يتمحور حول مدى تشابه أو تطابق تلك الهوية مع ما هو موجود من قبل. وهنا أشدد على خطورة هذا النوع من التفكير لأنه لا يتيح لخيال المتلقي محاولة تفسير معاني ودلالات الهوية الجديدة بل وأنه يقلل بشكر كبير من إمكانية التساؤل حول تلك المعاني والدلالات.
ثالثا: أن هناك مجموعة لا بأس بها من مستخدمي شبكات التواصل الإجتماعي تنظر إلى مؤسسات الدولة من منظور العداوة وليس النِّدِّيَّة، وتضع آراءها حول ما تقوم به تلك المؤسسات في ذلك القالب. وفي نهاية المطاف وعوضا عن توجيه النقد العلمي والتخصصي تتولد مواقف قد يتبناها أو يتأثر بها الكثيرون من مرتادي تلك الشبكات.
رابعا: أن الجمهور عوضا عن أن يرغب في معرفة ما يفيد، فإنه يسعى فقط لتصديق ما يريد. حيث أنه — على سبيل المثال — ورغم اهتمام المؤسسة بتوضيح المراحل الطويلة لتطوير الهوية الجديدة للإذاعة والتلفزيون والذي سررت بتقديمه في حفل الإطلاق، إلا أن مجموعة كبيرة من الجمهور تصر على الإعتقاد بأن مبلغا كبيرا تم صرفه “لتصميم الشعار” وهذا مؤشر خطيرلم يسلم منه حتى بعض من قد ينسبون أنفسهم لهذا المجال.
وهنا أجد نفسي ملزما بحكم التخصص أولا ولعضويتي في لجنة تطوير الهوية ثانيا أن أوضح بعض النقاط المتعلقة بالمشروع، حيث أنه من غير المنطقي على الإطلاق وحسب العرض الذي قدمته أعلاه أن تكون كلفة المشروع محصورة على تصميم الشعار، خاصة وأن العمل على الهوية بشكل كامل استغرق أكثر من ثلاث سنوات، ومر بمراحل عديدة من البحث والتقييم والإستبيان والتفكير والتخطيط والتصميم والتنفيذ وغيرها، كما مرت مفرزات كل مرحلة من تلك المراحل بعملية تقييم شاملة من اللجنة.
كما أن المشروع تم تنفيذه من قبل تحالف مكون من ثلاث شركات (شركتين دوليتين وشركة محلية) فازت بمنافسة دولية طرحتها الهيئة في بداية المشروع. وهنا تكمن أهمية تكوين هذا التحالف حيث أن وجود الشركة المحلية يضمن أقصى درجات الفهم للمجتمع العماني وثقافته وللهوية العمانية، بينما يحقق وجود الشركتين الدوليتين المتخصصتين في تطوير الهوية للمؤسسات الإعلامية مستويات عالية من العمل تتناسب مع المعايير العالمية التي تشهدها صناعة الإذاعة والتلفزيون.
أخيرا فإنه يتوجب التوضيح أن المشروع لم يكن لتغيير الشعار فحسب، بل هو مشروع يسعى لتغيير كامل لعقلية المؤسسة وطريقة عملها وتعاملها وفعلها وتفاعلها، لذا فإنه من غير المنصف أن يتم النظر إلى الشعار كنتيجة نهائية وحيدة للمشروع.