عائد من مدينة البنفسج

فؤاد شاب ثلاثيني تعلق بكرة القدم منذ سنوات عمره الأولى.. أحب اللعبة وأحب أكثر الانتماء الذي تغرسه في النفوس.. عرف أن العناد جزء من اللعبة فاختار تشجيع الزمالك نكاية في أبيه الأهلاوي.. ولطالما عشق أجواء مباراة القمة عندما تنقسم العائلة لفريقين أحمر وأبيض.

عاش ما يقرب من نصف عمره ينتظر لحظة تتويج بالدوري وانتظر ربع عمره أيضا يحلم بانتصار على الغريم. وعندما جاء موعد مباراة الأهلي الزمالك في العين الإماراتية. كان على أن يعيش تجربة لم يعرفها من قلب. لأسبوعين ظل فؤاد يتحضر للموعد. أعد أعلامه وقميصه الأبيض، اكتشف يوما إنه عاش لم يرى يوما محبوبته، شاعر انتظر لسنوات ليكتب قصيدته الأولى. هناك عاش يوما اكتشف أنه تأخر كثيرا. اكتشف أن الانتماء ليس جلوسا على مقعد مريح في غرفة مكيفة أمام التلفاز. الانتماء يعني الحب، يعني العطاء، أن تبذل من وقتك وجهدك ومالك وأعصابك من أجل المحبوب. طوال أربع ساعات منها ساعتان يتابع المباراة، لم ينتبه لكثير من التفاصيل بملعب المباراة. اكتشف لأول مرة أن بإمكانه الاستعانة بوالده لاستيضاح شيء يخص مواجهة الأهلي والزمالك. ولطالما سأل نفسه ما الذي يدفع كل هذه الآلاف للقدوم للملعب بينما لن يستطيعوا متابعة كل الأحداث من مقاعدهم؟

لم يعرفوا لماذا يتعارك اللاعبون وهل ركلات الجزاء صحيحة أم لا؟ ومع ذلك اكتشف إن للمدرجات سحر. شجع فؤاد وهتف كثيرا للفريق، وفي الملعب عرف إن الجماهير شريك أساسي في الانتصارات والانكسارات، ترفع المعنويات وتشحذ الهمم. عندما تأخر الأهلي بهدف لم يتوقف الأنصار عن الهتاف وعندما فكر البعض في إهانة المنافس ارتفعت الأصوات مطالبة بالتشجيع. وبعدما تقدم الأهلي بثلاثية، سمع من يطالب بالمساندة بدلا من تثبيط الهمم.

في طريق العودة من العين أو مدينة البنفسج كما يطلق عليها راح يسترجع ما مر به خلال اليوم، اكتشف فؤاد في ملعب كرة القدم إن المباريات هي الحياة بكل ما فيها من صراع وعرق وحب. هي الحياة بكل تفاصيلها تنافس ينتهي بمصافحة، دنيا تستوعب الجميع وتحتويهم، تنتصر يوما وتخسر في آخر، من الممكن أن تتعرض للهزيمة لكن أبدا لا تخسر احترامك لنفسك أو للمنافس.

اكتشف فؤاد إن النجاح لا يحتاج لبذل الجهد فقط بل أيضا للتشجيع حتى لو كان بكلمة أو هتاف، عرف إن الفشل بداية لصناعة النجاح، إذا كانت لديك الرغبة والإرادة لنفض الغبار. عاد فؤاد لبيته أكثر حبا لفريقه وأكثر تقديرا للمنافس. اكتشف إنه يستطيع أن يساند الزمالك ويحترم الأهلي. اكتشف أن الحياة تتسع الجميع وأن التعصب يعني شدة الحب لا عمق الكراهية، وأن الانتماء لا يعني إنكار الآخر، أدرك أن الحب يبنى، وأن التنافس دافع للأمام. تعلم في يوم واحد ما غاب عنه طوال عقود.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.