
هل يمكن أن تكون الشركات المجتمعية الإرث الذي يولد في عام الخير؟
هذا المقال متابعة لما قام السيد/ بدر جعفر بطرحه في مقاله الملهم “عام الخير في الإمارات: كيف يتحول إلى إرث دائم” الذي نشر في الاقتصادي بتاريخ 31 يوليو 2017
توجد ريادة لدولة الإمارات العربية المتحدة كأكبر جهة مانحة في العالم لبرامج التنمية بالنسبة للدخل القومي (للعام الثالث على التوالي هذا العام)، ولكنها تتربع في المركز التاسع عشر في الدراسة التي نشرت العام الماضي عن أفضل الدول لريادة الأعمال المجتمعية التي أعدتها مؤسسة تومبسون رويترز للأنشطة الخيرية. لا ينبغي أن يكون هذا هو الحال لدولة مدفوعة بالابتكار والإبداع والطاقات الهائلة للمواطنين والمقيمين بمختلف جنسياتهم والوعي الديني والاجتماعي والإنساني الجماعي لعمل الخير فضلا عن الحوافز الاستثمارية المختلفة
عمل الخير متأصل في حضارتنا وثقافتنا منذ الأزل، ومتأجج دائما بسبب عدم الاستقرار في العديد من الدول العربية والمشاكل الاجتماعية والتحديات الاقتصادية الهائلة. ولعدم وجود إجراءات تنظيمية لتمكين المجتمعات من خلق نماذج مستدامة، لن نستطيع إيقاظ وطننا العربي من غيابه المؤقت واستغلال المورد الضخم المتمثل بالمواهب البشرية
لا تعني الاستدامة في العمل الخيري الاستمرارية في العطاء، بل في التمكين. التمكين الذي بموجبه يستطيع صاحب أو أصحاب الحاجة من الانتقال من حالة الاعتماد الكلي والتلقي والإتكال على أموال تبرعات الأفراد والجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية، إلى حالة الاكتفاء الذاتي والإنتاجية والإنخراط في تأدية الواجبات اتجاه نهضة الدول. وهذا بالضبط ما أعنيه في هذا المقال. تمكين المجتمعات من الانخراط في حل المشاكل الاجتماعية والبيئية المحيطة بهم عن طريق منظومة الشركات المجتمعية
مفهوم الشركة المجتمعية
لا يوجد تعريف متفق عليه حاليا لماهية الشركات المجتمعية في العالم، حيث أن اللوائح التنظيمية للدول الرائدة في هذا المجال تختلف باختلاف طبيعة التراخيص ومزاولة الأعمال. وهذه ميزة بحد ذاتها حيث يستطيع الأشخاص تطوير نماذج تجارية فريدة لصالح خدمة الحاجات المجتمعية والبيئية التي تمس حياتهم اليومية

المعضلة الموجودة حاليا هي في عدم وجود إجراءات تنظيمية بعد لتأسيس الشركات المجتمعية في الدولة بالرغم من وجود رواد أعمال مجتمعيين في الدولة ونماذج مختلفة من الشركات المجتمعية (تسجيلها يتم كشركات ربحية)، فضلا عن مبادرات مؤسسة الإمارات في تنظيم الندوات والمسابقات وبرامج تدريب الشباب على ريادة الأعمال المجتمعية
لغرض توضيح ماهية الشركات المجتمعية، نستخدم التعريف التالي
الشركات المجتمعية هي شركات ربحية تقوم بالتجارة لمعالجة المشاكل الاجتماعية والبيئية، فتكون غاية وجودها تحسين أوضاع المجتمعات وتحصينه، فضلا عن تحسين معيشة أفراد المجتمع والعناية بشؤون الحفاظ على البيئة. كما تقوم الشركات المجتمعية بإعادة استثمار أرباحها في المجتمعات لضمان استدامة الآثار الإيجابية على المجتمعات و/أو البيئة
توجد نماذج رائدة للشركات المجتمعية حول العالم، مع ملاحظة انتشار نموذج “اشتر قطعة وتبرع بالأخرى” في الوطن العربي. جدير بالتنويه هنا إلى وجود فروقات جوهرية بين الشركات المجتمعية وبرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات من حيث الغايات، والأهداف والفئات المستهدفة وكيفية استثمار الأرباح فضلا عن استدامة الحلول الجذرية للقضايا الاجتماعية والبيئية. ولهذا مقال آخر

لأهداف تحقيق طموح الاستدامة في العمل الخيري في الدولة واقتناص اللحظة التاريخية للزخم واهتمام الجميع بفعل الخير هذا العام، سأستخدم ملخص ما حققته المملكة المتحدة من نتائج في مجال الشركات المجتمعية كنموذج يمكن للدولة من خلاله تأطير نموذج فريد وتمهيد الطريق لصالح سد الحاجات المجتمعية والبيئية المختلفة في الوطن العربي
ملخص النموذج البريطاني

قامت المملكة المتحدة بنشر تقارير هامة لما أدت إليه نتائج انشاء منظومة الشركات المجتمعية في فترة الخمس سنوات (من 2010 إلى 2014)، فأبرزت تأسيس البريطانيين لـ 741 ألف شركة مجتمعية خلال هذه الفترة، قامت بتوظيف مليونين ومئتين وسبعين ألف شخص، ومشاركة هذه الشركات في إجمالي الناتج المحلي وصل إلى 22 مليار جنيه إسترليني خلال نفس الفترة، فضلا عن إطلاق سندات الأثر الاجتماعي عام 2010 لتصل اليوم إلى 32 سنداً، تأمل الحكومة البريطانية في وصول قيمتها إلى مليار جنيه إسترليني خلال الأعوام القليلة القادمة
تعودنا على ريادة الإمارات في بذل الجهد والوقت والمال لتأسيس عدة منظومات مختلفة وتمهيد الطريق أمام الجميع للارتقاء والانخراط بمسؤولياتهم الاجتماعية، ويمكن لمنظومة الشركات المجتمعية أن تعمل كرافد إضافي لمبادرات الدولة وتحقيق النتائج التالية
الأهداف الاستراتيجية للدولة
1. تعزيز الاقتصاد من خلال خلق بيئة جذابة للاستثمار المجتمعي، الأمر الذي سيخلق سوقا جديدا ورافدا اقتصاديا جديدا، وفرص عمل جديدة وإبداعات وابتكارات جديدة مدفوعة بحلول للقضايا المجتمعية والبيئية، وترسيخ الإنتاجية بسبب الاستثمار بهذا النوع من المهارات، واستخدام نتائج الاستثمارات المجتمعية والآثار المرجوة منها لدعم أهداف واقتصاد الدولة
2. تلعب الشركات المجتمعية دورا حاسما في وضع حلول جذرية للقضايا المجتمعية والبيئية واستخدام مصادر الطاقة المتجددة وإعادة التدوير بنماذج مبتكرة، فضلا عن تفعيل مشاركة السوق وتحسين واعتماد قياس الآثار الاجتماعية والبيئية كعوائد على الاستثمار
3. الاستفادة من الاختلاف في نماذج الشركات المجتمعية، حيث تستطيع الدولة جذب استثمارات جديدة مدفوعة بالعمل المجتمعي الرابح تجاريا بعوائد أفضل للمجتمعات المحلية للمستثمرين
4. بناء قاعدة بيانات ضخمة عن القضايا المجتمعية والبيئية ونماذج استدامتها وآثارها الناتجة عن طريق الشركات المجتمعية التي ستطلق نماذجها من الدولة
الأهداف الاستراتيجية لجيل الشباب
1. ترسيخ ثقافة العطاء كمنهجية تفكير للأجيال التي تعيش في المنطقة العربية. ستساهم منظومة الشركات المجتمعية في تعزيز مفاهيم التغيير المجتمعي لدى فئة الشباب، وتبني الاخلاقيات المهنية والمبادئ وثقافة التسامح لإحداث التغيير المطلوب في منهجية تطوير المشاريع، وفتح الباب أمامهم وتوجيههم إلى ريادة أعمال أكثر انتاجية وخدمة للقضايا المجتمعية والبيئية
2. أظهرت الدراسات واستطلاعات الرأي الخاصة بجيل الألفية (الجيل الذي سيصبح أكبر قوة شرائية خلال الأعوال القليلة المقبلة) الميل الشديد لهذا الجيل لشراء منتجات وخدمات الشركات الملتزمة بحل القضايا المجتمعية والبيئية والبقاء مواليا لها، مما سيكون دافعا رئيسيا لتبني الشباب فكرة إنشاء شركات مجتمعية وإنتاج برامج أكثر استمرارية ونفعا للمجتمعات وللبيئة

إن الاحصائيات الخاصة بسلوك هذا الجيل تؤكد على أنهم سينفقون أكثر على المنتجات التي تدعم القضايا المجتمعية والبيئية، وسيستبدلون الشركات التي يتعاملون معها بأخرى مرتبطة بقضايا تهمهم فضلا عن شراء منتجات تكلفتها أعلى من الشركات التي تلتزم بإحداث تأثير مجتمعي وبيئي إيجابي مستدام
4. تمكين جيل الشباب «روّاد الخير» في الدولة من الاستمرار في التفكير بالقيمة المجتمعية والبيئية أكثر من الربحية. إذا تابعنا المشاريع التي قام بتقديمها الطلبة في جامعات الدولة خلال السنوات القليلة الماضية، فإننا سنلاحظ بأنهم يقومون بتطويع التكنولوجيا لحل القضايا الاجتماعية والبيئية المحيطة بهم. إن من خصائص جيل الألفية قدرته على الإبداع في تسخير التكنولوجيا لابتكار تطبيقات تخدم في حل المشاكل الاجتماعية والبيئية
6. بدء التخطيط لإنشاء بنك الاستثمار المجتمعي يعمل على توفير التمويل اللازم والآمن «لروّاد الخير» عن طريق الإقراض أو استثمار الاموال في مشاريعهم لتحقيق الآثار الاجتماعية والبيئية المطلوبة، فضلا عن العوائد المالية. ويمكن فتح المجال أمام البنوك العاملة في الدولة للاستثمار في رأس مال البنك وإدارته والترويج له كجزء من مسؤولياتها الاجتماعية
الأهداف الاستراتيجية للقطاع الخاص
1. يمكن للقطاع الخاص الاستفادة من العلاقة مع الشركات المجتمعية عن طريق دعم منتجاتهم وخدماتهم وتبني قضاياهم الاجتماعية والبيئية كبرامج المسؤولية الاجتماعية لها، الأمر الذي سيعود بالفوائد عليهم باستهداف جيل الألفية (المحصّن ضد أساليب التسويق والترويج التقليدية)، من دون أية مخاطر أو تكاليف مالية أو موارد بشرية إضافية
2. يمكن للقطاع الخاص تأسيس شركات مجتمعية عن طريق إعادة التفكير ببعض خدماته ومنتجاته لاستهداف جيل الألفية والمشاركة بفعالية واستدامة في حل القضايا المجتمعية والبيئية
3. إدراج الشركات المجتمعية في سلسلة الموارد ليكون لها بصمة اجتماعية أو بيئية، وتضمين هذه الآثار في سلسلة القيمة للمؤسسات
الأهداف الاستراتيجية للجمعيات الخيرية
1. يمكن للشركات المجتمعية العمل مباشرة مع الجمعيات الخيرية لتمكينهم من التركيز على تحقيق الآثار الاجتماعية والبيئية وتقديم الحلول الجذرية بطرق أكثر استدامة يمكن قياس آثارها وفعالة، حيث أن للشركات المجتمعية الخبرة والمنهجية في قياس الأداء والآثر
2. يمكن للجمعيات الخيرية تأسيس شركاتها المجتمعية لتمويل أنشطتها الخيرية. مثال ذلك هو الشركة المجتمعية المختصة بشؤون ترخيص العلامة لمنظمة أنقذوا الأطفال غير الربحية

أظهر استبيان العطاء العربي 2016 مطالبة مجتمعات منطقة الخليج الجمعيات الخيرية بنشر الآثار والنتائج المجتمعية التي يقومون بتحقيقها، بالإضافة إلى رغبتهم بتتبع الأثر المباشر لتبرعاتهم لقضية ما أو للأفراد المعنيين. ويمكن للشركات المجتمعية إعادة الثقة بالجمعيات الخيرية وتأهليها لتلبية متطلبات المتبرعين كانوا أفرادا أو مؤسسات عن طريق قياس الآثار والنتائج المتحققة
يجب علي التنويه هنا مرة أخرى إلى تفاني وإبداع العديد من رواد الأعمال المجتمعية الذين قاموا بتأسيس نماذج من الشركات المجتمعية في الدولة، بالإضافة إلى جهود مؤسسة الإمارات للشباب وبرامجها التدريبية والإرشادية وتنظيمها للندوات والمسابقات لتمكين الشباب من الابتكار والابداع لتحقيق أقصى درجات التأثير في المجتمع
وكما عبّر السيد/ بدر جعفر ببراعة في مقاله المشار إليه سابقا فإننا: “أمام فرصة محدودة لكي نستفيد من هذه الحالة الوطنية التي سلّطت الضوء على هذا الحدث الهام اجتماعيا وثقافيا وماليا، ولكي نعمل على تحويل هذا العام إلى إرث دائم مستحق”
ما هي برأيكم الفوائد الأخرى التي يمكن تحقيقها من خلال منظومة الشركات المجتمعية في الدولة والوطن العربي؟ شاركونا مقترحاتكم
