تطابق الصور أو (تطابق الغرافيكس)

إن التطابق الصوريّ أو “التطابق” كاختصار، هو أداة انتقالية قوية في عملية مونتاج الأفلام الحديثة. كيف ؟ إيصال فكرة المشهد أو الرسالة يتم عن طريق تجميع أو تركيب صورتين لجسمين مختلفين وراء بعضهما، ولنوضّح أكثر، تتيح لنا هذه التقنية الهروب من التقدّم أو الرجوع بالزمن في الفيلم بما لا يقطع دوام اللقطة أو المشهد، أي لن نحتاج إلى قطع سلسة الأفكار بما يضمن لنا “الإستمرارية continuity” ، وأيضاً، تستعمل هذه التقنية لخلق علاقة مجازية “ميتافيزيقية” بين لقطة “التطابق” و اللقطات التي سبقتها.
يمكن استخدامها في المشاهد الكوميدية أو الدرامية أو حتى بقصد إظهار أيديولوجيا معينة، ففي عشرينيات القرن الماضي أصبحت فكرة المونتاج الذكي للأفلام رائجةً بين صانعي الأفلام السوفييتيين، مثل “Sergei Eisenstein و Dziga Vertov”، هذه الفئة من المخرجين استغلّت المونتاج كأداة لأظهار قضايا كبيرة، قضايا سياسية في الغالب، وما لبث أن أصبح “تطابق الصور” معياراً من معايير هذه السينما.
https://www.youtube.com/watch?v=aw0LsB1WVf0

ومثال عى ذلك ، فيلم The Man with a Movie Camera للمخرج Vertov عام ١٩٢٩، حيث نشاهد فيه مثالاً بدائياً جداً عن “التطابق”. ففي الفيلم السابق ينتقل المخرج من لقطات جويّة إلى لقطات عادية”medium” لأشخاص مع الأبقاء على استمرارية الحركة من خلال التشابهات الهندسية للصور : شبكة الطرقات تشابه الباب الدوّار — لقطة الشخص الذي يحاول إسكات من حوله بإصبعه تُكمّل لقطة الإمرأة النائمة… وهكذا. هذه القطعات تؤكد وتُظهر التماثل المكاني و تُظهر أيضاً الترابط بين مواقع خارجية وداخلية مختلفة للغاية.

قد يكون من الصعوبة بمكان إدراك هذه ال”تطابقات” لأن المخرج Vertov يحاول الإعتماد على المتفرّجين لملاحظة هذه التشابهات التي تكاد تكون خفية، فاللقطات لا تتطابق بشكل صُوَري، وعلى أعيننا أن تلاحق جميع النقاط في الشاشة لاكتشاف تلك التشابهات. ولكن عادةً، اللقطتان تُقسمان ب”تطابق صوري” بحيث يحتل الجسمان نفس نقاط الإتصال وبالتالي سيكون “التطابق” أسهل للإدراك. فمثلاً، التطابقات الصورية في الفيلم الشهير 2001: A Space Odyssey (لقطة عظمة ومن ثم لقطة لسفينة فضائية) تتبع نفس المعيار. فالجسمان لا يتشابهان بالشكل فقط، بل متمركزتان في منتصف الإطار. هنا “التطابق الصوري” واضح جداً ولكنه يعطي بعداً ورائياً للعلاقة بين الصورتين.

https://www.youtube.com/watch?v=mI3s5fA7Zhk

قاعدة مهمة بالنسبة للممنتجين هي أن يكون “التطابق الصوري” واضحاً، فهذا سيسمح لمُشاهديك أن يستوعبوا و يفسّروا اللقطات التي طرحتها بلا التباس. فكلما كان “التطابق” واضحاً كلما كان فعالاً أكثر.

الصوت أيضاً يعدّ أداةً جيدة لاستخدام التطابق، لأنه قد يعزز العلاقة بين الجسمين بشكل أكبر من الصور. شاهد هذه المقاطع من مسلسل Breaking Bad : القطرات من الأنبوب مع القطرات من كيس الشاي، أيضاً، المشرط الكهربائي مع المكنسة. حتى أنه في المثال ثاني يعتمد على الصوت بشكل كلي . كلا المشهدين يخدمان الدراما و إن كنا نريد أن نبحث في المعنى المجازي أو الميتافيزيقي لهما فهو إظهار العلاقة بين المعدات والآشياء المنزلية والتي نستخدمها في حياتنا اليومية.

https://youtu.be/iYr39tJrNy0

ونهاية سنختم مع هذا الإعلان لشركة “هوندا”

فهذا الإعلان يظهر الخصائص الرئيسية التي يتكون منها أي “تطابق صوري” : فهو يحوي على الإستمرارية، وبعد مجازي والإستخدام الواضح للصور المتطابقة. في إعلان قصير كهذا الإعلان إنه من الضروري جداً إيصال رسالتك بإيجاز و عن طريق رسومات مختصرة. فهنا تظهر شركة هوندا نفسها أنها قادرة على التأقلم والتطور في هذا العصر التكنولوجي، فقط عن ريق استخدام تقنية التطابق الصوري. الأعلان يحوي على بومة، رجل آلي، كاميرة مراقبة، عين بشرية ، عارض أفلام، ضوء فلاش، وينتهي بأنوار سيارة هوندا، وكل هذه الصور موضوعة في منتصف الإطار، وتتحرك من اليسار إلى اليمين مما يرمز إلى الحركة والتطور. إنه فعلاً إعلان قوي فهو يدفع أعيننا للتركيز على الأشياء والصور التي تتطابق وراء بعضها البعض ويوصل لنا رسالة الشركة المتضمن في العلاقة الميتافيزيقية أو المجازية لللقطات.

https://youtu.be/_jLMlT95Xpo

يمكن استخدام التطابق الصوريّ في جميع أصناف الأفلام ويمكنك عن طريقه إيصال مختلف المشاعر وإثارة ردود الأفعال التي ترغبها من المشاهدين. فهو أداة قوية ومؤثرة جداً إن كنت تريد أن تظهر البعد الزماني بين اللقطات، أو أن تظهر تطور أو تراجع شخصية أو شيئ ما، ولكن، على الممنتج أن يعرف أن التطابق عملية واضحة جداً وتراها أعين المشاهد بوضوح وقد ترغب في الإبتعاد عن استعمالها إن كنت تريد أن تبقي نمط مونتاجك لفيلمك “ لا مرئي”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.