**** الفراشات ****

انتهت الجامعة بمرها قبل حلوها ، نبرة التذمر من المجتمع ومن يعتلي رأسه هدأت كثيرا ، وركوب أمواج التظاهرات الصاخبة لم تعد تعنيه ، عدا حنين إلى الحفلات الصاخبة التي تمتد حتى الصباح ناسفة ما بعدها من محاضرات.
سفيان، اختزل الحياة بتجاربها ونكباتها ومجونها ووصل قمة مجده في ردهات الجامعة .
ولكن كل ما خبره هناك يبدو مسرحا لا صلة له بحياته الآن ، فبعد أن استلم شهادة تخرجه، بدأ فصلا جديدا قريبا من دراما الواقع . عاد إلى مدينته البعيدة عن عاصمة القرار والتحرر، حيث حركة النهار تبدأ عند الضحى والدوائر الحكومية تغلق بعدها بقليل لتأخذ استراحة قيلولة طويلة .
العودة إلى مسقط رأسه حاملا شهادة عليا لم يكن بالحدث الذي استوقف أحدا في مدينته الصحراوية ، فهو رقم آخر أضيف إلى طابور العاطلين عن العمل أو في أحسن الأحوال سيشغل وظيفة مؤقتة هذا إن كانت له واسطة قوية ؛ وحال سفيان لا يوحي بذلك ، فمن كانت له حظوة ومعارف نافذة كان سيكون مقامه في العاصمة؛ أما المدن الداخلية في بلاده فلا تلعب إلا الأدوار الثانوية .
كان يقود جيوشا من الطلبة للتظاهر على سياسات الجامعة ؛ أو يتقدم الوفود ممثلا لمطالب زملائه في حق المنح الدراسية إلى الخارج أو اعتماد الشفافية في توزيع التخصصات للمقبلين على الدراسات العليا ؛ وفي وسط هذا الانشغال لم يغفل عيون المعجبات من الطالبات الحالمات بالرجل البطل والشهادة معا . ولم يسبق أن خذل إحداهن …
أين هو من كل هذا الآن ؟ تساءل سفيان وهو يرى أمامه ثقل اليوم الطويل وسهاد الليل الكئيب .. وما يزيد من بؤسه حين يرى والدته تضع عند وسادته مبلغا من المال كل ليلة ، مصروف يومي بعد كل هذا ؟؟
عذاب آخر كان لا يجد له مخرجا هو مغامراته التي اضطر في وقت من الأوقات أن يجعل لها جدولا حتى لا يفتضح أمره بين مواعيده الكثيرة .
الآن لا يجد حتى تلك موظفة الاستقبال التي كانت تطارده بنظراتها المتوسلة وهو عنها راغب. . الآن تصورها رغبته في اجمل صورة، عذاب ما بعده .
إلى متى وأنا على هذا الحال ؟ أمضى الكثير من الوقت وهو ينتظر ردا على طلبات توظيفه ؛ لا من مجيب .
أعلن التنازل قليلا ، وصور ملفه وراح يطرق به أبواب كل الشركات والمؤسسات وكل يوم يخفض نجمة من سقف توقعاته .. هناك من ذكره بصيته الصاخب والسياسي الرافض في الجامعة وهناك من ألمح إلى مغامراته التي تجاوزت حيطان الجامعة والكل اتفق على اجابته بالرفض أو بعدم الإجابة وهي رفض على كل حال.
الأم المتحسرة على شباب ابنها وعلى ذبوله وكآبته، قررت أن تمد له يد العون وليكن ما يكون :
– إليك كل ما ادخرته من عمري ليوم عرسك.
الموت رؤوف بنا في مثل هذه المواقف ولكنه لا يأتي ، ليس هناك أصعب ولا أكثر إيلاما من رؤية الخيبة والشفقة والألم في عيون الوالدين وخاصة وهما في أرذل العمر ..
– سأجد عملا يا أمي لا تقلقي ، شهادتي كبيرة وتخصصي نادر ولهذا تأخر أمر توظيفي ، لا تقلقي امي .
وهل ضاع خيرة شبابنا إلا بسبب تخصصات لا يعترف بها أباطرة رغيف الخبز .. آه يا أمي كم كانت أحلامي كبيرة .
تشابهت الايام واستوطن في النفس شعور كريه بالانهزام و أصبحت كل النساء جميلات شهيات. ..

– إلى أين وجهتك سيدتي ؟
– إلى المستشفى يا ابني
– تفضلي ، سيدتي
– أول مرة أسمع سائق سيارة أجرة يحادثني بهذا اللطف الزائد ..
نعم ، سفيان استسلم لواقعه بعد أن انكره كل أصدقاء الجامعة الوهميين، وقرر أن يفعل شيئا ما دامت الأحلام لم تحرك ساكنا .
وجد الكثير من العزاء في التنقل بين الأماكن والوجوه وتعرف على مدينته داخلها وأطرافها ، وشعر ببعض الأهمية وهو ينتقي زبائنه أيضا، فكان يقف في أغلب الأحيان للمليحة والوحيدة وأحيانا آخرى وربما نادرة للنساء العجائز إذ يرى والدته الطيبة في كل من أحنى الزمن ظهرها.
بلا سابق تخطيط يجد فرامل سيارته تتوقف عند الجامعة ،
عالمه الذي يعرف دواخله وملامح رواده .
توقف بمحاذاة طالبة تحمل أوراقا وملفات، أشار لها بالركوب من دون أن يسألها عن وجهتها كما يفعل مع بني جنسه :
– متى التخرج ؟
– كيف عرفت اني على أبواب التخرج؟
– مثل هذه الملفات تعني إما أنك تطبعين أطروحتك أو تنسخين ما فاتك من محاضرات؛ وأنت يبدو عليك الاجتهاد .. رغم أني أشكك دوما في أن تكون الحسناء مجدة في دراستها .
أعجبت بحديثه ولم تستوعب قصده الأخير فسألت :
– وهل العلم حكرا على الشمطاء؟
– لا ولكن الجميلة مثلك عالمها مليء بأكثر من الدراسة ..
صمتت لهذا الإطراء، و أغرق هو في تأملها في مرآة السيارة ورحب بالزحام الذي سيمنحه وقتا أكبر معها .
هي جميلة بلا شك ، وتبدو بلا تجارب حقيقية ، ستنضم قريبا إلى قافلة العاطلين وربما ستحجب في البيت في انتظار عريس قد لا يأتي أن كان في مثل حاله.
– ما هو تخصصك ؟
– حقوق
ضحك من علوم لا تشبه حاجاته ،
– وكم عدد الطلبة الذين سيتخرجون هذا العام في تخصصك؟
– أربعمائة. ..
– فعلا سلك المحاماة والقضاء يحتاجكم جميعا ..
– أنا سأكمل دراستي، لأني لن أجد وظيفة ولست مستعدة للعودة إلى بلدتي. ..
ندرس كي نهرب من البطالة ، كم من دكتور هارب لدينا يا ترى ؟
إذن هي من بلدة نائية أخرى ومدينتي هي عاصمتها، وهو يعرف جيدا أن هذه المواصفات تخفف من المحاذير .
– سنأخذ وجبة خفيفة معا ..
شكرته وهي معجبة بثقته وكرمه .
فتح لها الباب وأخذ عنها الملفات ووضعها في الكرسي الخلفي ، ونزع من على سيارته شارة الأجرة، ورحب بمقعدها إلى جانبه .
مضت الظهيرة سريعا على غير العادة ، واقترب المغرب ولم يشعرا بالوقت ، أو ربما حان الوقت ليعيدها إلى الحرم الجامعي أو على الأقل يسألها عن وجهتها . ولكن هذه ميزة أخرى لبنت البلد حين تكون في المدينة، الوقت ملكها أو .. ملكه .
– هل أنت مرتبطة بعلاقة ما ؟
– لا ، كلها علاقات انتهت قبل أن تبدأ لأني أبحث عن الزواج
هذا الحديث الذي لا يحبه حتى من والدته ؛ ما معنى أن يكون الزواج هدفا مؤرقا إلى هذا الحد ؟ ولماذا كل حديث بين اثنين يجب أن تكون النية مبيتة فيه لقنص حرية الآخر. . هكذا هو موقف سفيان من الزواج كلما أتى ذكره .
– أنا لا أؤيد تزواج الأجساد قبل الأرواح
عبارة قالها بلا قصد حتى يعطي للحوار استمرارية لا أكثر، ولكن الفتاة اعتبرتها بداية جميلة مع هذا الشاب الوسيم. فكثيرا من قصص رفيقاتها حملت ذات البداية الغريبة في تعارفهما واكتملت بالنهاية التي تنشدها .. الزواج.

من معالم مدينته تلك المباني غير المكتملة أو التي بدأت بتدشين رسمي وتوقفت فور إطفاء أضواء الإعلام لكاميراته في انتظار تدشين آخر، تلك المباني اكتسبت سمعة سيئة بسبب الحيوانات الضالة التي تقصدها من حر النهار وقر الليل؛ والسكارى وهم يتوارون هناك بزجاجاتهم الداكنة واغانيهم المبهمة . واليوم سفيان يضيف لهذه السمعة بعض الحكايات الجديدة .
الفتاة تمنعت قليلا قبل أن تسلم يدها وهو يقودها بين الأسلاك الشائكة والقرميد المحطم .. حواسها جاهزة وتفكيرها يراجع كل شبر منها، فقد خصصت يوما كاملا عند صالون التجميل وجسمها من أعلاها إلى أدناها قد خضع لعجينة الليمون والعسل .
لا بأس إذن ..

في موقعي

DEHEA.COM
تجدون حكايات عن جنون العشق ، ومجون الهوى ..

#ديهيا