عبق الحياة

دوامها يبدأ إما فجرا أو ينتهي بعد منتصف الليل ، هكذا حالها وحال من يشتغل في سلك الطب .
حاجة الناس للعلاج والدواء تماما كحاجتهم للهواء ، ولكن ماذا عن حاجتها ؟
فهي مطلقة من رجل خيرها بين العمل أو البيت ولكنه ..بطال ، وكل دخله يأتيه من معاش والدته .
حاولت كثيرا أن تعيش سيدة بيت ترعى الولد والزوج، ولكنها تحولت إلى أشبه ما يكون إلى خادمة لكل من في البيت من طلبات ومزاج عكر.
ابنها الوحيد — ثمرة هذا الزواج الفاشل — موزع بين والدتها وأهل أبيه. ..
لم تدع للحسرة وندب الحظ مجالا في حياتها، لملمت جراحها وأعادت وصل ما انقطع من علاقات وعادت ممرضة كما كانت .
تحاول كثيرا رشوة موظف جدول الدوامات ببعض الأطباق الحلوة التي تحضرها في البيت ، دوام الليل أكثر راحة لها .
والأسباب ما بين قلة توافد للجرحى والمصابين وجريح آخر يرقد في الجناح الأخير في قسم الحوادث .
رجل في عقده الثالث يرقد منذ قرابة الشهرين ، له من الاهل والأصدقاء ما لا يفسح لها أي مجال حتى لتغيير ضمادة له فما بالك بما في بالها من حنان وشوق ، ولهذا لابد من دوام السهر والشغف.
….
انتهت من تسجيل حضورها على كل الأجنحة بمرضاها، واطمأنت أن لا حالات عاجلة تخرب عليها برنامجها ، ثم ذهبت إلى غرفة تغيير الملابس ، أعادت تصفيف شعرها البني الغامق ، وشدت من خصرها حتى بدا جيدها نحيفا مياسا، وبودرة لماعة وزعتها باضطراب على خديها وأعلى نهديها. وعطر فتحت رشاشه على شعرها إلى أسفل قدميها … ابتسمت حين قرأت اسم العطر “السم” .
ليتني اخترق جسده المتعب واستقر فيه كسم يستحكم اوصاله.
بدأت بتغيير ملاءة سريره وتغيير أغلفة المساند بأخرى نظيفة معطرة بعناية .
سحبت عربة الأدوية بهدوء حتى لا توقظه، وحتى تتأمل جسده الملقى باستسلام أمامها، عرفت الكثير عنه ، انه هاو لسباق السيارات ومغامر يعشق راليهات الصحارى والكثبان الرملية .. قوامه الرياضي ذكرها بإعلانات “لاكوست” و”هوغو” تماما كما ذكرها بخيبتها وحظها من الرجل.
بتعمد واضح وضغط ناعم ، رمت بأعلى صدرها على وجهه وبأناملها راحت تربت على صدره كي يستفيق ، حرك بأنين جسده وحاول أن يعتدل في جلسته .
كانت له السند الغض الطري ، وكان يحب هذه اللحظات ولم يطلب أكثر من ذلك فألم الحادث قضى على كل مغامرة عابرة — أو هكذا كان يعتقد -.
…..
ليلة أخرى، اختصرت فيها الممرضة كل أحلامها، وعزمت على تحويلها واقعا ولو كان لدقائق معدودة في آخر الليل .
رأت حرجه — أو أدبه — كما لمست عدم رفضه بل واستسلامه لها ، قالت له :
– بعد خروجك من المستشفى ستحتاج الى جلسات علاج طبيعي مكثفة .. سأبدأ لك ببعضها الان .
قالت جملتها الأخيرة بصوت خافت واضطراب كبير .
لم يقل شيئا وكأنه يشجعها على المبادرة فهو طريح الفراش والرغبة بلغت منه مبلغا .
عدلت من نومته وسحبت رجليه قليلا كي تبدأ تدليكه من قدميه .
آهة كبيرة ترجمت الوجع الكامن في جسده … أي وجع ؟
لم تتوقف لسؤاله بل استمرت في الصعود حتى ركبيته وهنا بدأت المفاصل كلها وكأنها تعاني هزة ارتدادية ، والشرشف عند ناظريها شكل خيمة يتوسطها وتد صلب ، وهي كضال تاه طويلا في صحراء .. العطش .

قررت الاستسلام لنوم طويل وأغلقت المنبه ، فأمامها أكثر من وصفة لخبر الحلوى .. الرشوة .

في موقعي DEHEA.COM
تجدون حكايات عن جنون العشق ، ومجون الهوى ..

#ديهيا

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Dehea ديهيا’s story.