لا نريد رئيساً عربياً شاباً

كُلّما انتُخِب رئيس شابّ، في أيّ مكانٍ من العالم، كما حدث الأسبوع الماضي في فرنسا، تنطلق الأقلام العربية إلى هجاء شيخوخة السياسة العربية التي أوهنت الدولة، وذهبت بأحلام المجتمعات الشابة، وفتحت المستقبل على المجهول. وشيخوخة السياسة المهجوّة هنا لا تنطوي على أي معنىً عميق، كشيخوخة الأفكار أو الحركات أو الأنظمة. كلا، إنها تعني شيخوخة الزعيم وحسب. الصورة التراجيدية في مثل هذه المقولات الهجائية جذّابة للغاية: الرئيس العجوز الذي يحكم منذ أكثر منذ عشرين أو ثلاثين سنة مجتمعاً نصفهُ من الشباب، لكنها تبسيطية للغاية أيضاً: هل تكمن مشكلة المجال السياسي العربي في شيوخهِ وشيخوخته؟ هل سيتغير الواقع لو قاد الشباب المجال السياسيّ العربي؟ 
صحيح أن معظم المجتمعات العربية شابّة، ويجب أن تأخذ المنظومة السياسية وتصميم السياسات هذا في الاعتبار، لكنّ أبعاداً سياسية، مثل استدامة الموارد والعدالة في توزيع الفُرص الاجتماعية والقابلية للتغيير، تعكس بالفعل روحاً شابّة، إلا أنهُ لا يُشترط أن تتحقق على يديّ سياسيّ شابّ، كما أن وجود السياسيّ الشابّ لا يعني تحقّقها تلقائياً. والحقيقة أنهُ، عند تأمل المجال العربيّ الحالي، لا يمكن إلا ملاحظة أنهُ تأسّس بتشوهاته وأمراضه بواسطة “سواعد الشباب” في مرحلة ما بعد الاستعمار والـمَلَكيّة. أغلب أبطال مرحلة الانقلابات العسكرية الذين أسّسوا ميثولوجيا الحكم العسكري في الدول العربية، كانوا شباباً، ومن لم يكونوا عسكراً منهم كانوا شباباً ناضلوا ضد الاستعمار، وأطاحوه ليصيروا زعماءَ أفراداً لا شريك لهم، ومن لم يصبحوا زعماء ظلوا يتناحرون حول الزعيم على الأحقية في الخلافة، أما أقرانُ الزعيم الشاب المناضل من الشباب الذين عارضوه فذهبوا إلى السجن. 
وفي دول الحكم الوراثيّ، ظلّ الحكم ينتقل بالروح والاتجاه نفسيهما، بغضّ النظر آلت به الصدفة إلى شيخٍ أو إلى شابّ. وفي الحقيقة، بلغ المجال السياسيّ العربي قمة شبابهِ في نموذج المهرّج السّفاح معمّر القذافي الذي حَكَم وهو في السابعة والعشرين، فصنع أكثر تطبيقات الدولة العربية تفسّخاً وضياعاً. وفي اللحظة الراهنة، زوّادة المليشيات التي تنخر الدول العربية من الداخل، مليئة بالمقاتلين من الشباب، عبد الملك الحوثي زعيمٌ شابٌ في الواقع، حركة تمرّد التي فرشت البساط الأحمر ليسير عليه انقلاب عبد الفتاح السيسي شبابية “أمنجية”، انتقل أعضاؤها فيما بعد إلى استكمال المهمة في البرلمان المصري الصوري. أكبر مذبحةٍ في تاريخ الدولة العربية الحديثة ارتكبها بشار الأسد، الرئيس الذي حَكَمَ شاباً يافعاً، فقرّر أن يموت وهو في الحكم. صحيح أن “6 إبريل” و”كلنا خالد سعيد” حركاتٌ مؤثرة أنشأها شباب، لكن المواقف النبيلة وأحلام التغيير وإرادة الإصلاح، ليس لها سِنّ للتقاعد. أفضل احتمالات التغيير في أميركا كانت بيرني ساندرز الطاعن في السن. شخصية حقوقية أيقونية مثل أحمد سيف الإسلام رجلٌ مُسنّ، ومثقفون مثل صادق جلال العظم والمنصف المرزوقي، وعسكريون جرّبوا الانقلاب من أجل الديمقراطية، مثل أعلي ولد محمد فال أو سوار الذهب، وخلفهم ملء جمهورية من الـمُسنين المجهولين الذين هرموا في انتظار لحظة تاريخية. صحيح أن للشباب هِمّة وعزماً على فعل ما يريدون، لكن ما يريدونه لا يكون بالضرورة مُحِقاً ونبيلاً وبريئاً، لمجرّد أنهم شباب، والقصة لا تنتهي هنا، بل تبدأ، فوراء شعار “براءة الشباب” يكمن شيطان إفراغ مفاهيم التغيير والإصلاح من المعنى. 
كان أعظم التفافٍ، قامت به السياسة العربية في بدايات هذا القرن، عندما تعلّم كل حاكم الطريقة الصحيحة للتحضير لخلافة الأبناء. جاء الورثة السياسيون، وقدّموا أنفسهم باعتبارهم “شباباً”، وكما كل الشباب، أبرياء من ذنوب الآباء ومُتفائلون وحالمون وراغبون في الإصلاح والتغيير ومفارقة نهج الوالد الحكيم، جمال مبارك كان شاباً، سيف الإسلام القذافي كان شاباً، أحمد علي صالح كان شاباً. وكلما أراد نظامٌ سياسيٌ سلطويّ تلميع ذاته اليوم، قال: هاتوا الشباب، ويأتي الشباب طوعاً وراغبين، لأنهم ليسوا ملائكة ولا أبرياء، لكنهم يأخذون موضعهم في المشهد حول الحاكم ليُمَثّلوا، عن وعي وإدراك، هذا الدور بالذات أمام الجمهور، لأنّ هذا الدور بالذات هو ما يساعد النظام على الاستطالة والتمدد واستعادة العافية والوهج. 
عبر “سواعد الشباب” الراغبين في التّسلق الاجتماعي، تتمكّن منظومة سياسية قديمة وفاسدة من اصطياد أحلام الناس مجدّداً، واللعب على وتر الحاجة إلى التفاؤل. وبالشباب يُصحّح النظام وهن الشيخوخة الذي أصاب سلطويته بالعنفوان. مصطلح “الشباب” في المجال السياسيّ العربي بات فارغاً من المعنى، هو عنوان تغييرٍ لا يُغيّر شيئاً، وإصلاحٌ لا يُهدّد أحداً. ولذا، يحرص كل حاكمٍ على إدراج بندٍ خاصّ بالشباب على أجندته، وعقد مؤتمرات الشباب وقممهم تحت رعاية الحاكم. وتتحوّل “سواعد الشباب وهممهم”، بطريقةٍ سحريةٍ، إلى مجالٍ جديد يبسط عليه الحاكم أبويته ورعايته الحانية وتفهّمه، وينطلق رجال الحاكم يتحدثون عن المستقبل وتمكين الشباب، ثم يظهر الشباب الـمُمَكّنون، فترى أبناءهم وأحفادهم، وقـُرّة أعينهم من ثمار زيجات المصالح السياسية والثروات العائلية التي تمت قبل ثلاثين عاماً. وهكذا يُساهم الإصلاح والتغيير وتمكين الشباب، في الحفاظ على جبروت ذات الترتيب السياسيّ القائم منذ عشرات العقود. 
ليست هذه مشكلةً في مسألة الشباب فقط في المجال السياسي، هي مشكلةٌ عامةٌ تتعلق دوماً بالقدرة الجهنمية للسياسيين، والساذجة للمواطنين، على إفراغ أيّ فكرةٍ من عمقها، وتحويلها إلى تجسّد مادّي، يسهل تحقيقه من دون تغيير شيء، فالتغيير السياسي الحقيقي مشكلة، لكن وضع شابّ على رأس وزارة مسألةٌ سهلةٌ ومفيدة. وتغيير القوانين التي تتعلق بالمرأة مسألة صعبة، لكن اختيار امرأة وتعيينها مستشارةً للرئيس مسألة سهلة ومفيدة. والامتناع عن التلاعب بأوراق الاحتقان الطائفي في المجتمع صعب، لكن حضور الرموز الدينية للأقليات حول الرئيس في المناسبات فولكلورٌ لطيفٌ يواظب عليه جميع الحكام. وعلى هامش هذه التحرّكات الفارغة والممتلئة بالمعنى، يدخل المواطنون دوماً في دوامات حواراتٍ عبثيةٍ حول دلالات هذه الحركة أو تلك، ونوعية التغيير القادم. وفي كل وقتٍ، يوجد قوّالة مُتنبؤون بدخول البلاد “مرحلة إصلاحٍ غير مسبوقة”، بدليل ماذا؟ بدليل الكلمة التي قالها الحاكم في المحفل والصورة التي التُقطت له بجوار هذا الشاب وتلك السيدة، وينتعش وهم التمرحل، وأن اليوم ليس كالأمس، والدول العربية التي كانت بالأمس مُدمنةً على المرور بـ”المنعطف التاريخي الخطير”، صارت اليوم مُدمنةً على الدخول في “مرحلة إصلاحية غير مسبوقة”، وكما مرّت بالمنعطفات ولم تنعطف، تمرّ اليوم بالمداخل، ولا تدخل. 
لهذا، نحن لا نريد رئيساً شاباً، نحن نريد طريقاً أخرى. 
@Emanmag

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/5/13/%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D8%A7-1#sthash.jE6wHrNI.dpuf