مَن وقع في “فخّ العولمة”؟

عام 2000، كان يمكن للقارئ المهتمّ بالعولمة أن يختار الذهاب في واحدٍ من اتّجاهين: أن يقرأ “فخّ العولمة”، أو أن يقرأ “سيارة اللكزس وشجرة الزيتون”. كان كتاب “فخّ العولمة” لصحافيين، هما هانز بيتر مارتن (نمساوي) وهارالد شومان (ألماني)، مرافعة يسارية عن قدرة العولمة على مفاقمة حدّة التفاوت الاقتصادي بين المجتمعات المختلفة وداخل المجتمع الواحد، وتكدّس الثروات وتزايد البطالة. ولم يكن الكتاب المضادّ للصحافي الأميركي، توماس فريدمان، دفاعاً عن العولمة، ولا حتى تسويقاً لها، لأن التسويق ينطوي على منطق إتاحة الخيار للزبون ليقبل الصفقة أو يرفضها. كان الكتاب يقارب العولمة، بوصفها شبيهةً بشروق الشمس أو دخول الكوكب عصراً جليدياً جديداً، رافعاً إياها إلى مقام الأحداث الكونية التي لا تنتظر، ولا تتأثر بآراء المنظّرين ونتائج تصويت الناخبين، ولا يمكن للبشرية إلا أن تجد طريقةً للتأقلم معها، كما تأقلمت مع الوجود على هذه الأرض. كان “فخّ العولمة” دليل اليساريين والقوميين آنذاك، وحتى بعض الإسلاميين وجدوا في الكتاب لَقِيّة ثمينة، تؤطر نظرياً توجسّهم المشوّش من العولمة، وخوفهم القديم من التغريب، ومن ثمّ حَمَل خطاب “فخّ العولمة” آنذاك وصمة بصفتهِ خطاب أولئك الهامشيين، الانعزاليين، الفاشلين في الانخراط في العالم الجديد، الراغبين في إيقاف عجلة التاريخ والخروج من الزمن هرباً من التغيير الحتمي، وكان خطاب “سيارة اللكزس” خطاب بيل كلينتون وتوني بلير والعقلانية السياسية والقيادات العالمية القوية المجتمعة في دافوس، التي كانت تبدو كمن يقف على بوابة قرنٍ جديد، ليأخذ العالم نحو التنوّع الثقافي والازدهار الاقتصادي. خلال أقل من سبعة عشر عاماً، كان فخّ العولمة قد اصطاد ضحيةً غير متوقعة، بدأت بمحرّكات العولمة الكبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا. أصبح هجاء العولمة لا يأتي من صحافي في “دير شبيغل”، أو إخوانيّ في القاهرة، بل من البيت الأبيض، وما كانت توصف بـ”الرّدة على العولمة” باعتبارها ديناً جديداً، لم تأتِ من آسيا أو العالم العربي، بل من حزام الصدأ في أميركا، ولم تعد العولمة حدثاً فوق — تاريخي، ولا حتميةً كونية مثل شروق الشمس، بل مسألة سياسية واقتصادية، يمكن التفاوض حول حدودها واتجاهاتها.

ماذا حَدَث للعولمة خلال 17 عاماً؟ تُشير مقالات كثيرة متخصصة نُشرت خلال العامين الماضيين، وإبّان صعود دونالد ترامب على وجه الخصوص، إلى عدة عوامل، منها ركود الاقتصاد العالمي منذ 2008، وتراجع نمو الصين الذي كان محرّكاً عالمياً كبيراً خلال العقد الماضي، مقابل نموّ التدفق الرقمي، وتزايد أعداد المهاجرين واللاجئين، مع وجود فجوةٍ بين سياسات الحكومات الوطنية والأسواق العالمية، حيث تتقلص الحكومات أكثر، ويتراجع دورها في حياة المواطنين، في مقابل تعاظم دور السوق العالمي. استفادت أجزاء أخرى من العالم، مثل الصين، استفادةً قصوى من العولمة وتقنياتها اقتصادياً، وكان هذا كافياً لهزّ خطاب العولمة الأميركي الذي طالما شجّع على تحرير التجارة. يفسر جيفري ساتشز (الأستاذ في كولومبيا) نمو الدول الآسيوية هذا بأنهِ نمو طبيعي ضمن شروط العولمة، وهوَ لن يبدو تهديداً إلا “إذا كانت نية الرائد العالمي (للعولمة) هي الهيمنة”. 
أما ثقافياً، فقد تسارعت العولمة الثقافية في اتّجاه معاكس (من باقي العالم نحو أوروبا وأميركا)، فتراجع خطاب العولمة الذي كان يحتفي بالتنوع الثقافي، ويشجّع العالم النامي على الانفتاح، وتقبّل المختلف والجديد، ويدفع عن العولمة تُهمة “أمركة” العالم لصالح خطابٍ مشغولٍ بحماية الهوية الأميركية أو البريطانية أو الفرنسية من التحوير والإضافات التي تمارسها العولمة الثقافية، عبر أدواتها من مهاجري شرق أوروبا والمكسيك وحوض المتوسط. بغضّ النظر عن مصير ترامب، أو الفرنسية مارين لوبان، أو حكومة البريكست في بريطانيا، فإن لحظة الانقلاب على العولمة في أوروبا وأميركا، بحدّ ذاتها، لحظة مهمة، من ناحيةٍ لأنها تكشف عن حدود مزاج الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية الذي كان يختبئ وراء خطاب العولمة وقيمها. ومن ناحيةٍ أخرى، لأنها تكشف عن الانفصال في فكرة العولمة بين الهيمنة والمسؤولية: كانت العولمة مقبولةً عندما كانت تعني تدفّق الأموال، لكنها عندما صارت تعني تدفّق اللاجئين والمهاجرين، صعد اليمين متزعّماً مناهضتها، وأصبح المطلوب، في هذه اللحظة، هو مزيد من الجدران ومزيد من العزلة. تكمن المشكلة أساساً في أن تتوقع دولٌ تتربّع على قمة العالم، مهيمنة عليه اقتصادياً وسياسياً، أنها قادرة على ممارسة الهيمنة على العالم، من دون أن تكون مسؤولةً، في الوقت نفسه، عن مشكلاته، وهذا لا يمكن تغييره عبر ترك اللاجئين يغرقون في البحر. ولكن، عبر تحمل مسؤوليةٍ توازي حجم الهيمنة، ولا أقلّ من ذلك. أما القضية الثالثة، فهي أن صعود ترامب، ووقوع “بريكست”، وما سيأتي بعد من صعود لليمين، يفيد بأن السوق العالمية لا تنوب عن الحكومة الوطنية، كما يقول داني رودريك (أستاذ في هارفارد).
في كتاب “سيارة الليكزس”، يتحدث فريدمان عن الذين لا يملكون المهارات التي تسمح لهم باللحاق بالعولمة، لكن أغلب الإشارات من هذا النوع في الكتاب كانت تُحيل على مواطنين من البرازيل وتشيلي ومصر، حيث يُثني فريدمان على توجهات الرئيس الأسبق، حسني مبارك، نحو العولمة، على الرغم من المقاومة المحلية. حسب فريدمان، كانت الحكومات الفاشلة هي حكومات العالم النامي التي أخفقت في استيعاب العولمة أو الانخراط فيها، أما الحكومات الناجحة فهي حكومة مبارك، وحكومة أميركا بالطبع. بعد 11 عاماً من صدور كتاب فريدمان، أطيح بمبارك، وبعد 16 عاماً انتخبت أميركا ترامب، لأن أهمّ مجموعة من المواطنين الذين تركتهم العولمة وراءها، ولم تنجح السياسات الحكومية في تعويضهم، كانت مجموعة من المواطنين الأميركيين. 
في بصيرة نافذة، كتب مؤلفا “فخّ العولمة” عام 1996 “لا يوجد في المجتمعات الديموقراطية “مواطنون فائضون عن الحاجة. فالخاسرون يتمتعون بحقّ التصويت، وهم سيستغلون هذا الحق بلا ريب (…) لقد بات المواطن يسمع (…) أن سبب محنته لا يقع على عاتقهم (السياسيون)، بل على عاتق المنافسة الأجنبية. ولا مراء في أن ثمة خطوة قصيرة واحدة فقط تقود من هذا التبرير (…) إلى العداء المكشوف لكل ما هو غريب. وهكذا نلاحظ أن هناك ملايين من أبناء الطبقة الوسطى الخائفة صاروا، منذ أمد ليس قصيراً، يعتقدون أن خلاصهم يكمن في كراهية الغرباء وفي الانكفاء على الذات والعزلة عن السوق العالمية. وبالتالي، صار ردّ فعل المعزولين يتجسّد في عزل الآخرين”. “ومع كل زيادةٍ في البطالة، وتخفيض في الأجور تزداد أيضاً مخاطر أن ينتهج السياسيون الحيارى سياسة تحدّ من حرية التجارة الخارجية (…)، ولا يتوقف تحقق هذه المخاطر على فوز القوميين الشوفينيين، أو من سواهم من الغلاة في الانتخابات أبداً، فالحكام الذين لا يزالون يؤمنون بحرية التجارة، سيتحوّلون، بين ليلة وضحاها، إلى حماة للاقتصاد الوطني من مغبة المنافسة الأجنبية، إذا ما رأوا أن في ذلك كسباً لأصوات الناخبين”. لا شك أن “التسابق العالمي على تحقيق أعلى جدارة، وأدنى أجور، يفتح أبواب السلطة على مصاريعها أمام اللامعقول (…). التمرد لا يأتي من المعوزين فعلاً، بل يتأتى بكل ما يشتمل عليه من انفجار سياسي غير محسوب، من الخوف من الخسران والهزيمة”.