
الإبتعاث، ما لك و ما عليك
تجربه شخصيه
في العام ١٤٢٦ للهجره اعلنت وزارة التعليم العالي عن برنامج الملك عبدالله للإبتعاث الخارجي. كنت حينها ادرس في المستوى السابع من اصل تسع مستويات في جامعة الملك سعود، وفور تلقي الخبر سارعت بالتقديم على البرنامج للإستفاده من هذه الفرصه النادره. كان التقديم وقتها عن طريق موقع الوزاره على الانترنت.و كان الامر في غاية السهوله، مجرد تعبئة الاستماره وملئ البيانات. بعد التقديم بدقائق استلمت رساله عن طريق الايميل تفيد بقبول طلبي و مرفق معها ضمان مالي لغرض التقديم على قبول في احدى الجامعات بالخارج!! تفاجأت بسرعه الموضوع. بالفعل اخذت بالبحث عن جامعه بشرط ان لا اضيع السنين التي درستها في جامعة الملك سعود ،لكن للأسف لم تكن الفرصه سانحه وقتها حيث طُلب مني البدء من جديد فرفضت وقلت لنفسي حينها (الجايات اكثر ان شاء الله). اكملت دراستي الجامعيه وتخرجت ولم تكن فكرة اكمال الدراسه وارده حينها لأن تفكيري مُنصب على البحث عن وظيفه.
بدأت جحافل البرنامج تجتاح المجتمع، اصبحت لا ترى منزلاً او عائله لا يوجد بها مبتعث، سافر احد الاصدقاء وقتها للإبتعاث. وقتها ابتدأت العمل في احدى المستشفيات بوظيفه جيده مقارنه بسوق العمل وقتها، وجدت طوفان الإبتعاث بدأ بإجتياح المستشفى الذي كنت اعمل به. كان موضوع البعثه هو الشغل الشاغل لأكثر الموظفين. بدأت اسأل نفسي، حين يعود هؤلاء من بعثاتهم هل سيكونون افضل مني وظيفياً؟ قطعاً كانت الإجابه نعم فهم خريجو جامعات الخارج حيث التقدم والعلم. اخذت احلل الموضوع من جميع النواحي، ما لي و ما علي، ماذا سأستفيد وماذا سوف اخسر. تذكرت كلام احد اقربائى عند انضمامي للجامعه قال لي حينها “اختيارك لمجالك يجب ان يكون باعتناء فهنالك في كل وظيفه ثلاث فئات وكل فئه صاحبها لا يستطيع الخروج منها للأعلى الا اذا كان مؤهلاَ”. حمى الشهادات هي من ساقني للبحث اكثر في الموضوع وعندها وجدت اكمالي للتعليم عن طريق الجامعه هو افضل الطرق.
قُبلت معيداً في الجامعه وبات امر الإبتعاث حتمياً، بدأت بالبحث عن جامعه تقدم لي شيئاً غير الشهاده، كنت ابحث عن الجو العام للجامعه كنت اريد مكاناً يتوفر فيه المناخ المناسب للبحث العملي. قررت التقدم لثلاث جامعات بكندا، وفعلاً حصلت على قبول من احداها ورفض من اثنتين. الجامعه التي قبلتني هي الاولى حسب التصنيف على كندا في الهندسه (جامعة واترلوو). كنت فرحاً لأنني سانضم الى جامعه بهذه الضخامه، وفي غضون ٦ اشهر وصلت الى واترلوو. المدينه تضم مقر شركة “بلاكبيري” الشهيره، نعم فمؤسسها كان طالباً في الجامعه واختار المدينه لتكون مقر لشركته واستفاد كثيراً من طلبة الجامعه وخريجيها فأصبحت شركته هي الجهه الاولى التى يقصدها طالب هندسة واترلوو بحثاً عن وظيفه.
اخذت ارقب الفروق بين جامعاتنا في السعوديه و جامعات الخارج، ابتدأت طبعاً بمستوى طلاب الثانويه المنضمين حديثاً للجامعه، لم اجد فرقاً سوى ان الطالب ١) يدفع امولاً طائله للإنضمام للجامعه ٢) فور انضمامه يعتبر الطالب نفسه موظفاً بدوام كامل بالجامعه. لذا فالتركيز منصب تماماً على الدراسه، ويساعدهم في هذا عدم وجود مسؤوليات اخرى سوى الدراسه فهم في الغالب ليسو اصحاب البلد (اقصد واترلوو) ولكن هم في الغالب قادمون من مدن اخرى بقصد الدراسه. هذا التفرغ جعل منهم موظفين بدوام كامل متفرغين لما تتطلبه الجامعه من اعمال. انعكس هذا على كمية العمل الذي على الطالب ان يعمله خلال الفصل. مقارنته بما كنا نفعله هو ظلم فأنا لم اكن اعمل سوى ٤٠ او ٥٠٪ من كمية العمل الذي يعمله طالب هندسة واترلوو، لماذا؟ الإجابه تحتاج لصفحات اختصرها بقولي جامعاتنا هي مدارس ما بعد الثانويه وجامعتهم هي جامعه مرتبطه بالواقع وما يتطلبه السوق.
بدأت ارى الطلاب يتوافدون على برنامج الملك عبدالله من كل حدب وصوب ويتجهون الى اصقاع العالم، فجلست افكر ملياً مالفائده التي يرجوها البرنامج من الاعداد الهائله للمبتعثين؟ العلم؟ اذاً ليوفروا المبالغ الطائله ويستثمروها بافتتاح الجامعات العالميه في داخل المملكه. لكن ومع الوقت لاحظت ان الفرق في التفكير في امور عده يتغير عند عيشك بالخارج، اذا فالبرنامج ليس للعلم فقط هو فرصه لإنفتاح شباب وشابات المجتمع على العالم الخارجي و الوقوف على سبب تقدم الغرب و حضارتهم وسبب تقهقر البلاد العربيه والإسلاميه كافه. المستوى العلمي لأفراد المجتمعات الغربيه ليس هو سبب تقدمهم بل من خلال ما رأيته الظروف الاجتماعيه هي من يقود المجتمع للتقدم. وجدت انه لتعيش حياة كريمه في الخارج (فوق المتوسط) يجب ان تكون شخصاً منتجاً، ولتصبح شخصاً منتجاً يجب ان تصنع الفارق بمعنى انه يجب ان تكون لديك المهاره التي يحتاجها السوق. لذا فشبابهم وشاباتهم يدفعون المال ليكتسبوا هذه المهارات التي تُكتسب عن طريق العمل وليس الشهاده وحدها. لذا فإنك تجد الشخص يبحث عن الجامعات ذات السمعه في توظيف خريجيها.
بحثت عن الجامعات المشموله في نظام وزارة التعليم العالي كجامعات معترف بها فوجدت جميع الجامعات المعروفه والقويه، لكن تفاجأت بوجود المترديه والنطيحه ايضاً. وقتها لم يكن ببالي اصلاًً سينضم لهذه الجامعات لأنها لا تقدم شيئاً جديداً لا يوجد في جامعاتنا. وللغرابه وجدت قائمة الجامعات بوزارة التعليم العالي تمنع الدراسه في بعض هذه الجامعات ولكن ليس لمستواها العلمي ولكن للتكدس بمعني ان الغالبيه يدرسون بها او يتقدمون اليها للدراسه!! لماذا؟ لأن الحصول على قبول بها هو اسهل من غيرها.
الإبتعاث هو قرار من الطالب/ه بإقتطاع وقته والتغرب بعيداً عن اهله للحصول على شئ يميزه عن الآخرين. دع عنك انه للحصول على العلم، فسوق العمل حالياً جعل من الشهاده الجامعيه شئ من التعليم الاساسي بدونه لا يمكن الحصول على الوظيفه التي كنت تحصل عليها قبل ١٥ عاماً بالثانويه. لكن ما يجب ان يفهمه المُقدم على الإبتعاث ان سوق العمل اصبح يفرق بين الشهادات لوفرتها حالياً، لذا اصبح لزاماً على المبتعث ان يختار الجامعه التي ستميزه عن الآخرين عند عودته للوطن.
ما لك كمبتعث عموماً هو الإنفتاح على العالم الخارجي ورؤية التقدم والحضارات بعيداً عن الوطن. ما لك هو الوقوف على الحياة الإجتماعيه عند العالم المتقدم. ما لك هو رؤية كيف يعيش الإنسان في المجتمعات المتقدمه. وما عليك هو ان تعلم ان مجرد تلقيك شهاده من الخارج هو ليس تميزاً عن غيرك من شباب وش و شابات الوطن، بل العكس هو زيادة في المسؤوليه الملقاة على عاتقك عند عودتك. يجب ان تعود وانت تحمل شيئاً يميزك عن الآخرين و هذا لا يمكن الحصول عليه من الجامعات المترديه والنطيحه. ولا يمكن الحصول عليه وانت متقوقع على نفسك في فترة الابتعاث او متعلق بعاداتك القديمه.
للحصول عليه يجب ان تكون رقيب نفسك وان تحرص على التنفع من كل دقيقه تقضيها مبتعثاً. يجب ان تعمل بجد للحصول على المهارات وليس الشهاده، اعني بهذا ان تعمل بجد للحصول على قبول من جامعات هي رائده في المجال الذي تريده فهناك وهناك فقط ستكون اقدر على الحصول على المهاره لأنك ستواجه التحدي وهو المحفز الاوحد للتقدم. يجب ان تعلم يقيناً ان البعثه مسؤوليه وليست امتياز وانك و زميلك غير المبتعث سواء حتى تثبت عكس ذلك عن طريق ما ستقدمه لوطنك عند عودتك.
واختم قولي ببيت لابي جعفر المنصور:
“اذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرأي ان تترددا”
فإن كان رأيك ان الابتعاث فرصه فكن ذا عزيمه واسعى الى الإستفاده منه
Email me when Abdullatif Alwasel publishes or recommends stories