عن الاستخدامات والدلالات

مررت اليوم بمحل ملابس، صاحبه صديق لي. جلست في ركن غير بعيد عن نقطة الاحتشاد التي تتشكل عندما يتواجد أكثر من ثلاثة زبائن في اللحظة ذاتها، وكلهم ينهالون على البائع المشتت بينهم بسيول أسئلتهم. كنت محشورا هناك في زاوية التقاء علاّقتي التيشيرتات الصينية وبناطيل الصناعة الوطنية، ورأسي مسنود في المنتصف. نجحت بعض الصفقات ومعظمها انتهت على غير خير لصديقي. حتى فرغ المحل الضيق واتسعت مساحته لكلينا.

“أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله” زَفَرَ بها صديقي وأتبعها بتنهيدة عميقة.

كان لا بد من استحضار هذا المشهد الروائي كمقدمة لازمة للتوضيح. الاستخدامات التي تقع في غير محلها هي ما يعطي للكلمات والجمل دلالاتها وقيمها في دواخلنا، حتى وإن كنا على دراية لغوية واصطلاحية بما نقوله، فالذي يشحذ سكاكينه في وعينا، ويشكل مواقفنا اللاشعورية من الكلمات وحتى المفاهيم هو الاستخدام الدارج، أو ما اعتدنا على التعبير به في مواقف بذاتها باستخدام أدوات لا تتناسب مع طبيعة الموقف، أو تكون في شكلها الأكثر تطرفا بعيداً عن أصل معناها وروحه، أو القيمة المعنوية أو الجمالية التي من المفترض أن تبنيه تلك المقولة أو غيرها فينا.

استحضار الشهادتين، كما حصل مع صديقي، بعد موقف ضغط وتوتر، أو انزعاج من كائن بشري ما — وهذا كثيرا ما يحدث — يربط الشهادتين في لاوعينا بأثرٍ سلبي أو طاقة سلبية. يقول فيتجنشتاين في كتابه (تحقيقات فلسفية): “لا تبحث عن المعنى، ابحث عن الاستخدام” وهذا في سياق محاولاته لفهم اللغة من خلال استخدامها اليومي، فإذا استعرنا مفهوم فيتجنشتاين هذا وأسقطناه على توظيف صديقي للشهادتين في الموقف السردي السابق، فإننا وبكل بساطة، نحجب المعنى عن المقولة الأهم في تاريخ المسلمين ونفرغ بذلك أرواحنا من روحيتها. إن رأيتم في كلامي تطرفا، فيلردد كل منكم أي مقولة ذات قيمة عليا “كالشهادتين” ويرى أثرها، ليرددها أولا باللغة العربية بكلماتها وأحرفها، ومن ثم ليحاول ترجمتها إلى لغة أخرى يتقنها، ويرددها مجدداً! ما الفرق؟ الفرق أنا في اللغات الأخرى نبحث عن المعنى، أما في لغتنا الأم فإننا نحيل الكلمة إلى الاستخدام. ببساطة.

فماذا لو بدل صديقي لغته في تلك اللحظة فقط وقال: I bear witness that there is no God but Allah

أعتقد بصراحة أنه سيشعر بشيء من الانفصام وعدم الراحة لأنه أصاب المعنى ولم يصب الاستخدام والقالب. يدخل في هذا العادة والروتين بلا شك، لكن التوظيف والاستخدام من أهم ما يعيق التمتع بلغة حية قيد الاستخدام والتداول اليومي، طبعا، بعيداً عن لغة الكتابة الأدبية بأنواعها فهي ترمي بظلالها على فئات لا تشكل السواد، للأسف، في مجتمعاتنا اليوم.

في مشهد سريالي آخر، تنظر زوجة إلى وجه رجُلها بعين حمئة، وتبلع ريقا بعد ريق، ويكاد بعض الغبار تحويلها إلى جسم صلب. لولا أن زوجها تدارك الموقف ومد يده وبسط راحته ومسح على خدها، فكأنها انفكت من سحر أسود. فقال الزوج بعد أن صارت سائلة بين يديه: أرنب.

لا يمكننا الاستفادة من الفقرة السابقة بشيء سوى الربط بين الحالتين، أي المشهد الأول الذي حصل مع صديقي، وهذا الأخير بين الزوجين، وفي كلا المشهدين وظف أحدهم كلمة أو مقولة في غير محلها. ولا أرى أن المجاز يصح دائما في التعبير عن المُراد، فهناك من يدفع عن نفسه كأن يبرر أن الشهادتين أو الحوقلة في مواقف أخرى هي تعبير عن الحالة التي يمر بها الشخص في تلك اللحظة، ففي توظيف الشهادتين في موقف مشابه، كالذي يخرج من الظلمات إلى النور، وفي الحوقلة التي توظف عادة في مواقف الاعتراض أو “النرفزة” تدلل على “أنا معترض وليس بيدي حيلة”!

من مشهد الزوجين الأخير، يمكننا اشتقاق صلة بين التوظيف وبين الاعتبار القائم للآخر الجنسي على سبيل المثال. فكلمة أرنب تنطوي على احتمالين: الأول أنه -الزوج- تمكن منها -الزوجه- وصارت بين يديه أرنبة! والاحتمال والآخر، لعله يتغزل بها على طريقة (التشبيه الحيواني) والذي بدوره ينزل بالمتغزل به إلى مرتبة “الشيء”: بمعنى تشييء الآخر. بعيداً عن الاستعارات الشعرية والأدبية، نبحث هنا عن الاستخدامات اليومية. ومعجم الاستخدام اليومي الخاص بالغزل — في هذا الاحتمال — يحتوي على قائمة طويلة من “الأشياء” — ربما يُعزى هذا لمحدودية اللغة — لكن جليّ وواضح أنه يشكل نظرة تشيئية للأنثى بشكل خاص، وهذه النظرة بيّنة في السلوكيات الاجتماعية والاعتبارات المعنوية.

لا بد لنا من تبنّي معاجم لغوية لاستخدامنا اليومي، هذه المعاجم، كل في موضوعه، من شأنها بناء الثقافة الأمثل لنا بعيداً عن الابتذال والتقليد، وقريباً من المعنى والروح. يقف الأمر على ممارسة التأمل ولو بمقادير مُقتصدة. والأمر يمكن أن يكون بسيط جدا أو معقد بحيث يتطلب أجيالا لإعادة تشكيل مفهوم الثقافة في مجتمعها. لكن على المستوى الفردي، هناك قاعدة بسيطة وجميلة تنطوي على الشك، لنسمها “الإعادة”. تتمثل هذه القاعدة لدى إلمور ليونارد بمفهومه عن الكتابة على أنها “إعادة الكتابة”، وفي بعض المدارس الفلسفية بتعريفهم للفلسفة على أنها “إعادة تعلم كيفية النظر إلى العالم”.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Fadi Fannoun’s story.