استفتاء بريطانيا.. حين تتحول ألاعيب حزبية إلى كارثة وطنية

فراس أبو هلال

5/07/2016

يكاد يُجمع غالبية المعلقين والسياسيين البريطانيين على أن الأسبوع الماضي، هو واحد من أهم وأخطر و”أغرب” الأسابيع التي شهدتها السياسة البريطانية منذ عقود، بسبب تداعيات تصويت البريطانيين بأغلبية بسيطة للخروج من الاتحاد الأوروبي، في الاستفتاء الذي عقد يوم الخميس الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي.

ومن المثير في الاستفتاء الذي يمكن اعتبار نتيجته كارثية على بريطانيا-على الأقل في المستقبل القريب- أنه بدأ كجزء من ألاعيب حزبية داخل حزب المحافظين الحاكم منذ العام 2010، لينتهي إلى كارثة على الحزب نفسه، وعلى الحزب المعارض الرئيسي “العمال”، وعلى وحدة البلاد، وعلى اقتصادها. فعندما أراد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون مواجهة الانقسامات في حزبه بعد ترؤسه للحكومة في العام 2010، وفي محاولة لمنع انتقال بعض قيادات ومؤيدي المحافظين للحزب اليميني الصاعد “حزب استقلال بريطانيا” بزعامة “نايجيل فاراج”، أصدر كاميرون في بداية العام 2013 تعهدا بإجراء استفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي إذا فاز في انتخابات 2015، ليقطع الطريق على حزب الاستقلال الذي أسس وقام على مقولة “خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي” منذ التسعينيات.

ولكن هذه الألاعيب الحزبية التي مارسها كاميرون، تحولت إلى كارثة غير مسبوقة، وطنيا، وحزبيا واقتصاديا منذ عدة عقود. وفيما يلي أهم عناصر المشهد البريطاني المتأزم نتيجة هذا الاستفتاء:

أولا: أدت الحملة المواكبة للاستفتاء إلى تأزيم الخطاب السياسي البريطاني، وإلى تسميم الأجواء، مع تصاعد اتهامات كل حملة للأخرى بأوصاف غير مسبوقة. وقد بلغت سخونة الحملات ذروتها في الأيام الأخيرة التي سبقت التصويت، وتصاعد “خطاب الكراهية” والإساءة للمهاجرين، فيما لجأ قادة حملة الدعوة للخروج من بريطانيا “Brexit” إلى تأجيج المشاعر القومية عند الجمهور، بعد أن حافظ الداعون للبقاء على تقدمهم في استطلاعات الرأي، فلم يجد دعاة الخروج بدا من التركيز على ضرورة الخروج للحفاظ على “بريطانية البلاد” و الدعوة إلى ضرورة “أن تحكم بريطانيا من حكومتها وليس من برلمان الاتحاد الأوروبي في بروكسيل”، والتخويف مما أسماه أحد البوسترات المثيرة لحملات الخروج من الاتحاد “نقطة الانهيار” بسبب الهجرة واللاجئين.

هذه الأجواء لم تنته مع انتهاء التصويت، بل زادت حدة واشتعالا، ويبدو أن نتيجة التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي قد أعطت الضوء الأخضر لبعض العنصريين لإظهار العنصرية الكامنة في داخلهم، ما أدى إلى تصاعد مظاهر الإسلاموفوبيا، والرهاب من الأجانب، والعنصرية ضد الأوروبيين والأقليات غير الإنجليزية.

ثانيا: أظهرت نتائج التصويت والاستطلاعات التي أجرتها مؤسسات دراسات على المصوتين انقساما حادا على المستويات كافة في بريطانيا؛ فعلى الصعيد الوطني، صوتت إنجلترا بنسبة عالية للخروج، فيما صوتت ويلز بنسبة بسيطة للخروج أيضا، أما اسكوتلندا فقد صوتت بنسبة عالية للبقاء، فيما صوتت إيرلندا الشمالية بنسبة بسيطة للبقاء. وهذا يعني أن الأمم المكونة للاتحاد البريطاني منقسمة بشكل كبير تجاه هذا الموضوع، وربما تجاه شؤون سياسية أخرى، وهو الأمر الذي تعزز أكثر بتصريحات رئيسة وزراء اسكوتلندا التي أكدت ضرورة إجراء استفتاء جديد حول انفصال بلادها عن بريطانيا، والانضمام للاتحاد الأوروبي.

الانقسام لم يكن فقط على المستوى الوطني، بل على مستوى الأحزاب نفسها، إذ انقسم حزب المحافظين في أثناء الحملة التي رافقت الاستفتاء، فيما صوت ثلثا مؤيدي حزب العمال للبقاء على الرغم من أن الحزب تاريخيا مؤيد للاتحاد الأوروربي.

وإضافة لذلك، فقد أظهرت الاستطلاعات أيضا أن هناك انقساما على صعيد المكونات العرقية تجاه التصويت، إذا صوت أغلبية المسلمين والهندوس والأقليات العرقية والدينية الأخرى مع البقاء في الاتحاد الأوروبي، فيما صوتت غالبية الإنجلوساكسون البيض البروتستانت، واليهود حسب بعض الاستطلاعات، لصالح الخروج.

وعلى صعيد التوزيع العمري، فقد كان التصويت على الخروج يزداد مع تقدم الفئات العمرية، فيما صوتت الفئات الأكثر شبابا مع البقاء في الاتحاد الأوروبي.

ثالثا: أدت نتيجة الاستفتاء وما سبقها من حملة دعائية إلى توترات غير مسبوقة داخل الحزبين الرئيسيين في بريطانيا. انقسم حزب المحافظين الحاكم في أثناء الحملة، حيث قاد زعيمه ورئيس الحكومة ديفيد كاميرون حملة الدعوة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، فيما قاد عمدة لندن السابق بوريس جونسون الذي كان يطمح لرئاسة الحزب ووزير العدل مايكل غوف حملة الدعوة للتصويت بالخروج. وبعد إعلان نتيجة الاستفتاء زادت حدة التوترات والانقسامات في الحزب، فقد استقال رئيس الوزراء لأن حملته خسرت التصويت الشعبي، فيما انقلب وزير العدل على زميله في حملة الخروج جونسون، وأعلن أنه سيترشح لخلافة رئيس الوزراء في المستقيل، ما أدى إلى تراجع جونسون نفسه عن الترشح لهذا المنصب، وليدخل الحزب في حالة من التوتر والانقسام الذي سيؤثر بالضرورة على البلاد باعتباره الحزب الحاكم.

ولم تقتصر التوترات الحزبية على خلفية الاستفتاء على حزب المحافظين الحاكم، بل طالت حزب المعارضة الأول “العمال”، الذي تحرك عدد كبير من نوابه للتصويت بحجب الثقة عن زعيمه جيرمي كوربين، بحجة أنه لم يعمل بما يكفي لإقناع جمهور وأنصار الحزب للتصويت مع بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما أدخل الحزب في أزمة غير مسبوقة، أصبح معها منقسما بشكل أفقي، بين نخبة لا تريد العمل مع زعيم الحزب، وقاعدة حزبية عريضة أعطت تصويتا وتفويضا كبيرا لهذا الزعيم.

رابعا: أدت نتيجة الاستفتاء إلى انهيار حاد في سوق المال البريطاني، وإلى هبوط غير مسبوق في سعر الجنيه منذ ثلاثين عاما، إذ خسر الجنيه في اليوم الأول بعد التصويت 15% من سعره أمام الدولار، كما خسرت أسعار الأسهم مليارات الجنيهات منذ ظهور نتائج التصويت، ومن المتوقع حسب خبراء أن يستمر هبوط الجنيه لتصل قيمته إلى دولار واحد ( سعر الجنيه يوم الاستفتاء كان يساوي 1.48 دولارا تقريبا).

الاستفتاء إذن بدأ كلعبة سياسية أراد منها كاميرون الحفاظ على منصبه وعلى وحدة حزبه، وانتهت إلى كارثة سياسية، وطنية، حزبية واقتصادية على المدى القريب، ولا يمكن لأحد التكهن بما ستؤدي إليه من تداعيات على المدى البعيد، وسيكتب التاريخ أن ديفيد كاميرون حاول أن ينقذ حزبه، فتسبب بكارثة لبلاده.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.