الحرب الأهلية القادمة في مصر.. قصة موت معلن!

فراس أبو هلال

كأننا نشهد في مصر، وقائع مشابهة تماما لتلك الوقائع التي كتبها المبدع الراحل غابريل غارسيا ماركيز في روايته بعنوان “قصة موت معلن”، وهي القصة التي تتحدث عن قرية كانت كلها تعلم بتحضير شقيقين خطة لقتل أحد شباب القرية، ولكن هذه القرية، مع ذلك، لم تحاول منع تنفيذ عملية القتل، ولم تخبر حتى ذلك الشاب الذي سيكون بعد يوم ضحية لهذه الخطة لعله يأخذ احتياطاته ويتجنب الموت المحتوم.

في مصر اليوم ثمة خطة يتم التحضير والإعداد لها، بوعي أو بدون وعي، ستقود البلاد لا محالة إلى مسار حرب أهلية طاحنة، كنتيجة لإجراءات وقرارات السلطة الحاكمة في هذا البلد، والمفارقة أن لا أحد من العاقلين في مصر والمنطقة يحاول أن يمنع الانزلاق لهذه الحرب، أو أن يأخذ على أيدي السلطة التي يبدو أنها مستعدة لتدمير البلاد والعباد في سبيل الاحتفاظ بامتيازاتها ومكاسبها.

ما تقوم به السلطات الحاكمة في مصر هو أخطر بكثير من الاستبداد والقمع، فهي تؤسس بإجراءاتها اليومية حالة من الرغبة بالثأر لدى قطاع كبير من المصريين، ولا يقصد بهم الإخوان حصرا كما يريد إعلام السلطة الترويج، إذ أن النظام الانقلابي يؤسس ويبني العداء بين “الدولة” وكافة القطاعات الشعبية، وحينما نتحدث عن الدولة فإننا نعني ذلك الكيان الذي يفترض به أن يكون جامعا لكل المواطنين بغض النظر عن أيدولوجياتهم وأديانهم وانحيازاتهم السياسية.

لقد بات من المؤكد أن مصر مهددة بخطر الاحتراب الأهلي بعد “مهرجانات” الأحكام بالأعدام على معارضي الانقلاب، وبعد الأحكام العالية والمؤبدات لشباب بربيع العمر بتهم باطلة وهزلية وسخيفة. وبعد السعار في تنفيذ أحكام الإعدام التي أقرت سابقا بحق الشاب الإسكندراني محمود رمضان ومتهمي قضية “عرب شركس”، فإن حالة العداء وصلت لمستوياتها القصوى ضد السلطة والدولة، وهذا ما يمكن أن يلمحه بسهولة أي مراقب من متابعة ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية.

وتكمن خطورة الإجراءات التي تنفذها سلطة الانقلاب عبر القضاء المسيس الظالم في أنها جعلت الآلاف من قيادات وأفراد المعارضة المحكومين بالإعدام “شهداء” مرشحين للموت في أي لحظة، وهو ما يعني أن آلاف العائلات هي أيضا مرشحة للتحول إلى مجموعات معادية للدولة، تبحث عن أي فرصة لأخذ الثأر والانتقام لضحاياها عبر الاشتباك مع أي شكل من أشكال السلطة، سواء كان ذلك من الشرطة أو الجيش أو القضاء.

وإذا أضفنا لذلك أن من ضمن المرشحين للقتل بسيف القضاء المسيس هو الرئيس مرسي وقادة الإخوان، فإن هذا يدفعنا للقول بأن السلطة الانقلابية تصب بمثل هذا الإجراء، إن أقدمت عليه، الزيت على النار، من خلال تغييب الشخصيات الوازنة والأكثر عقلانية في صفوف المعارضة وتحديدا الإخوان، وهو ما يعني أنها لن تجد من تتفاوض معه أو من يكبح جماح الشباب الذين يشعرون أنهم في حالة حرب مفتوحة مع الدولة بسبب إجراءاتها القمعية والظالمة.

وأمام هذه التطورات، لا يمكن فهم الصراع الذي ظهر إلى السطح بين طرفين في جماعة الإخوان المسلمين إلا أنه يأتي في هذا السياق الذي نتحدث عنه، أي سياق الإرهاصات التي قد تقود الإخوان إلى التخلي عن السلمية وهو ما ستقود البلاد لحرب أهلية لا قدر الله.

صحيح أن الخلافات السياسية داخل أي حزب أو جماعة تتداخل فيها الدوافع الفكرية والسياسية مع الدوافع المتعلقة بالصراع على السلطة، إلا أن من الواضح أن الفريق الذي يمثل مكتب الإرشاد المنتخب في العام الماضي، بحسب ما ينشر في الإعلام من تصريحات، يميل لمقاربة أكثر خشونة مع السلطة، وقد أظهرت النقاشات التي تدور في صفحات شباب الإخوان في الفضاء الإلكتروني أن هذا الفريق يحظى بقبول أكثر بين الشباب، وهو ما يعني أن السلطة وإجراءاتها القمعية عملت على تقوية الطروحات الأقل سلمية في إطار جماعة الإخوان.

وأمام هذه الحالة، فإن السؤال الأهم هو عن الجهات التي يمكن أن تلعب دورا في منع هذه الحرب المحتملة، سواء كانت داخل مصر أو خارجها. إن الطرف الأهم في هذه المعادلة يمكن أن يكون في القوى الثورية التي تختلف مع الإخوان والسلطة على حد سواء، وتكمن أهمية هذا الطرف في أنه يمكن أن يشكل حالة من الرفض النخبوي والشعبي لحالة الظلم والقمع التي تقودها السلطة ضد الإخوان، وهو الأمر الذي يمكن أن يفكك شعور الإخوان بالعزلة وإحساسهم أنهم في مواجهة منفردة مع السلطة، مع ضرورة الإشارة أن هذا الموقف يمكن أن يمثل الحد الأدنى المطلوب من هذه القوى التي تورطت بشكل أو بآخر بإنجاح الانقلاب وإنهاء المسار الديمقراطي في البلاد.

أما الطرف الآخر فهو تلك الدول التي رعت الانقلاب ودعمته، وخصوصا دول الخليج، التي شكل دعمها المالي والإعلامي للانقلاب ركيزة أساسية في تنفيذ الانقلاب الدموي، وهو ما يعني أن هذه الدول شريكة بكل الجرائم التي ارتكبت بسبب هذا الانقلاب، وكذلك بما يمكن أن تتسبب به سلطات العسكر من حرب اهلية مدمرة، ولذلك فإن عليها واجبا أخلاقيا وسياسيا أن تعمل على منع هذه الحرب من خلال الضغط على النظام وربط المساعدات بتخليه عن سياساته المدمرة لمصر ومستقبلها.

في رواية غابريل ماركيز تخلى أهل القرية عن الشاب سنتياغو نصار فوقع ضحية لجريمة قتل معلنة وساذجة، أما في الرواية التي تكتبها سلطات الانقلاب اليوم فإن تخلي المصريين والعالم عن وقف جرائم هذه السلطة سيؤدي لا قدر الله إلى وقوع الدولة العربية الأكبر بحاضرها ومستقبلها كضحية لجريمة “غير ساذجة” لن تدفع مصر ثمنها وحدها، بل ستدفعه المنطقة والعالم برمته.