ماذا يعني قرار موسكو الانسحاب من سوريا

فراس أبو هلال

16/03/2016

تماما، كما كان قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إرسال قوات بلاده للمواجهة المباشرة في سوريا صيف العام الماضي مفاجئا للكثيرين، جاء قراره بسحب معظم قوات بلاده من سوريا مفاجئا أيضا، وهو ما جعل الحدث يسيطر على النقاشات والتغطيات الإعلامية في المنطقة والعالم برمته خلال اليومين الماضيين.

وتكمن المفاجأة بسبب التصريحات الروسية التي أكدت مرارا أن قواتها لن تترك سوريا دون تحقيق أهدافها، ولأن الهدف الأساسي المعلن وهو القضاء على تنظيم الدولة لم يتحقق، فلم يكن متوقعا أن يتم الإعلان عن الانسحاب بهذه الصورة وبهذا السرعة. ولهذا فقد اضطر الإعلام الرسمي الروسي إلى تغيير أهداف الحملة الروسية من القضاء على “الإرهاب” إلى قتل “الإرهابيين الروس” في سوريا، وأهداف أخرى هامشية، في محاولة لتصوير الانسحاب على أنه تتويج لإنجاز المهمة العسكرية الروسية.

وبمتابعة التعليقات الصادرة على القرار، سواء كانت من مراقبين أو نشطاء أو بعض السياسيين، يمكن ملاحظة نوع من الاستعجال والتبسيط في قراءة قرار بوتين، ربما بسبب طبيعة الانسحاب المفاجئ والصورة غير المتوقعة التي خرج فيها.

وتبدو القراءة المتعجلة من طرفين، أحدهما صوّر الانسحاب على أنه هزيمة لروسيا؛ بسبب “ضربات” القوى المعارضة والفصائل السورية المقاتلة، والآخر صوّرها على أنها إعلان رسمي لتحقيق أهداف الحملة الروسية التي سيكملها الأسد “المنتصر” على الأرض.

ولكن القراءة المتأنية للتطورات الميدانية والسياسية في سوريا والمنطقة تقودنا إلى استنتاج أن القرار الروسي يأتي في سياق تقدير موقف دولي للأزمة السورية بدأ يتشكل منذ فترة، ولكنه ازداد رسوخا في الأشهر الماضية، وتم التعبير عنه بشكل أكثر وضوحا في التحضيرات لمؤتمر جنيف، وهو تقدير يرى بأن لا حل عسكريا للأزمة في المدى المنظور، وأنه لا بد من حل سياسي، على اختلاف الأطراف حول تفاصيل هذا الحل.

ومن تتبع التصريحات والمواقف الصادرة خلال الأسابيع الماضية، يمكن القول بأن جميع الأطراف الإقليمية والدولية دون استثناء، تتفق على مبدأ واحد فيما يتعلق بسوريا، ونقصد هنا الاتفاق على أن “حل الأزمة يجب أن يكون سياسيا، ويجب أن يحافظ على ما تبقى من الدولة السورية”، فيما يختلف كل طرف في نظرته ورؤيته لكل ما عدا هذا المبدأ، سواء ما يتعلق بمصير الأسد، الفيدرالية، تصنيف الجماعات السورية المقاتلة، مستقبل الدولة.. إلى آخر هذه التفاصيل.

ولذلك، فإن الانسحاب الروسي يأتي في إطار الاتفاق الدولي على هذا المبدأ، ويمكن تحليل تقدير موسكو للموقف بالسياقات التالية:

أولا: أن روسيا تتفق مع “الإجماع” الدولي والإقليمي بعدم إمكانية حل الأزمة السورية عسكريا؛ ولذلك فهي غير معنية بمزيد من الخسائر الاقتصادية والسياسية بسبب وجودها في معركة لا انتصار عسكريا فيها.

ثانيا: أن موسكو دخلت سوريا لتحسين موقف النظام في الميزان الاستراتيجي والعسكري، وقد نجحت بالفعل في ذلك، ولكنها لا تريد أن يتغير هذا الميزان لدرجة تجعل الأسد غير معني بالعملية السياسية، أو تجعل نظامه قادرا على فرض المزيد من التعقيدات والاشتراطات التي تعيق تقدم الحل السياسي، أو توصله لمرحلة يستطيع فيها “التمرد” على موسكو التي أنقذته من خسائره الميدانية المتتالية.

ثالثا: تدرك روسيا أن وجودها العسكري الكثيف في سوريا جعل منها عدوا لغالبية دول المنطقة وشعوبها، وهو عداء غير مسبوق تاريخيا، حيث تميزت النظرة الشعبية عموما لروسيا باعتبارها معادلا ممكنا للقوة الأمريكية التي “تحظى” بعداء كبير لدى الشعوب العربية.

لقد تحملت روسيا الثمن السياسي لتدخلها العسكري لأسباب تعتبرها استراتيجية وبهدف تثبيت دورها لاعبا رئيسا في الشرق الأوسط، ولكنها لا تريد المزيد من الغضب الشعبي العربي لأسباب تفصيلية تتعلق برؤية النظام السوري وإيران للتسوية السياسية في سوريا وليست رؤيتها هي.

لقد أخطأ الكثير من المتابعين و”المحللين” الذين تعاملوا مع روسيا كلاعب “غير عقلاني” في المنطقة، ولهذا فقد اعتبروا دخولها للحرب باعتباره مجرد استغلال اعتباطي لفراغ تركه الأمريكان في الشرق الأوسط، فيما رأوا بالخروج ردا عصبيا على تصريحات وزير خارجية الأسد وليد المعلم أو غيره من مسؤولي النظام، بينما تثبت الأحداث يوما بعد يوم أن روسيا لاعب عقلاني، يعرف متى يقدم بالحرب ومتى يتراجع في سبيل تحقيق أهدافه القومية والاستراتيجية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.