أُحبكِ وأتمنى الرضا | د.هشام كمال في WordPress.com

أحبك أيتها الكلمات الطيبة التي يجريها الله على الألسنة ، فتجمع بين متفرقين ، و تؤلف بين قلوب عباد مؤمنين ، فتجعلهم إخوة متحابين ، و ترطب الألسنة بذكر خالق الأكوان رب العالمين ، و تصعد إليه — جل وعلا — ” إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” ، فيكتب الله لقائلها رضوانه ، وإن ألقاها لا يظن أن تبلغ ما بلغت .

أحبك أيتها الأخوة في الله ، التي تجمع المؤمنين ، لا تجمعهم إلا على مرضاة الله ، من غير أرحام ولا أنساب ، فيتفاضلون بالتنافس على مَلْئ القلب بها ، فيكون أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه ، وينالون بها حب الإله الواحد — جل وعلا — ومصاحبة الأخيار الصالحين في الجنة ممن لم يروهم في الدنيا ، ولكنهم صحبوهم بحبهم ، فالمرء مع من أحب .

أحبك أيتها الأخوة في الله التي يرتقي أصحابها على منابر من نور يوم القيامة ، يغبطهم الأنبياء والشهداء . وينعم المجتمعون عليها ، بظل عرش الرحمن ، يوم لا ظل إلا ظله ، ولا فضل إلا فضله .

أحبك أيتها الهجرة المباركة التي تخرج المسلم من حال المعصية إلى الطاعة ، ومن سلوك طريق يلتمس فيها دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، إلى سبيل الهجرة إلى الله ورسوله ، فيرتقي الإنسان في مدارج السالكين ، ومنازل السائرين ، وصحبة الصالحين ، فيفر من الله إلى الله ، ويصدق في العمل لمرضاته ، ويعلم أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فيتبعه حبا في الله ، ويحب ما يحبه ومن يحبه ، ويبغض ما يبغضه ومن يبغضه ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ” .

أحبك أيتها الهجرة المباركة ، التي يخرج بها المسلم من أرض الظالمين إلى أرض الصالحين ، فيفتح الله له بها من أبواب الخير والسعة مالا يعلمه إلا هو ” ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ” ، فإن مات أو قتل في طريق هجرته قبل أن يتمه أجرى عليه الله أجره ، وكتبه في ميزانه ” ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ” .

أحبك أيتها البارودة التي تصاحب مجاهدا في سبيل الله ، فيبطش بها ، لا لنفسه ، ولكن لله ، فيعز دينه ، ويعلي رايته ، ويصيب قلب أعدائه ، ويدمغ باطلهم ، ويريهم الذل أصنافا وألوانا ، ويقيم دين الله في أرضه ، ويبني صرح شريعته ، بعد فضله — تعالى — عليه بالتمكين والعلو على المغضوب عليهم والضالين ، وأشياعهم من المنافقين ، ” الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ” .

أحبك أيتها الموالاة والمعاداة في الله ، فلا يحب المرء إلا لله ، ولا يبغض إلا لله ، ولا يوالي إلا لله ، و لا يعادي إلا لله ، فلا يظاهر كافرا على مسلم ، ولا ينصره عليه ، ولا يواد من حاد الله ورسوله ، ولا يعلي إلا ما أعلاه الله ، ولا يضع إلا ما وضعه الله ، ويحسن صحبة من لم ينابذ المؤمنين العداء ولم يحاربهم ، ولم يخرجهم من ديارهم ، فيبره ويقسط إليه .

أحبك أيتها الشعيرة المعظمة ، ذروة سنام هذا الدين المتين ، جهاد أعداء الملة والدين ، التي أعلت راية الموحدين ، وأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين ، ومن جور الأديان إلى عدل دين المنان ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وأقامت لأصحابها عند الله مائة درجة ، ما بين كل درجة وأختها كما بين السماء والأرض ، وذاق شهيدها من النعيم ما غفر الله له به مع أول دفقة من دمه ، ولم يحس بألم القتل إلا كما يحس بمس القرصة ، وأراه الله مقعده من الجنة ، وأجاره من عذاب النار ، وأمنه من الفزع الأكبر ، ووضع على رأسه تاج الوقار ، وزوجه ثنتين وسبعين من الحور العين ، وشفعه في سبعين من أهله .

أحبك أيتها الدرجة التي كتبها الله لأفضل الشهداء ، لمن إذا كان في الصف ضد العدو ، لا يلفت وجهه حتى يُقتَل ، فيجعله الله في الغرف العلى من الجنة ، ويضحك إليه ، ومن يضحك الله إليه في الدنيا ، فلا حساب عليه .

أحبك أيتها الجنة ، التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، يا من يمن الله على من يرضى عليه فيها بمنحه الزيادة ، فيتجلى له — سبحانه وتعالى — ، فلا أُعْطِيَةَ لأهلك أفضل من هذه المنة الربانية ، والنعمة الإلهية ، برؤية رب البرية .

أحبك أيتها الرقابة الربانية ، التي توقف المسلم عند حد لا يتخطاه ، فيتدبر كل ما هو مقدم عليه ، هل هو خير فيتمه ، أو هو شر فيقطع دابره ، فيعلم أن الرقيب عليه في كل سكنة وحركة ، لم يخلقه هملا ، ولن يتركه بلا حساب أو جزاء ، فيقتحم ميادين العمل الصالح ، طمعا في جبال من الحسنات تكتب له ، وإزالة تلال السيئات التي كتبت عليه ، ويرتقي في درجات الإحسان بعلمه أن الله يراه ، وإن كان هو لا يرى الله ، فإنه لا يرى اللهَ أحد ٌفي الدنيا ، مهما علت درجته .

أحبك أيتها التوبة ، التي تجعل الباب مفتوحا دوما إلى التواب الرحيم ، فيقبل المسرفون على أنفسهم ، غير القانطين من رحمة الله ، طامعين في رحمته ، متيقنين من غفرانه — للمقبلين عليه — ذنوبهم جميعا ، فهو الغفور الرحيم .

فإن تكرر الذنب ، علم العبد أن له ربا يغفره ، فتاب وأناب ، وما مل من العودة والإياب ، فإن لم نكن نذنب ، لذهب الله بنا ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون ، فيغفر الله لهم ، والله لا يمل حتى يمل العبد ، وهو — جل في علاه — يفرح بتوبة عبده ، ويفتح له بابها مالم يغرغر ، ومالم تطلع الشمس من مغربها .

أحبكن جميعا ، وأتمنى الرضا من الله تعالى ، فيرزقني من فضله ، إنه هو الرزاق ذو القوة المتين ، فأتقلب في نعيم عطاياه ، وأتلذذ بالأنس به في دنياه ، ومتعة النظر إلى وجهه الكريم في دار لقاه ، فلا هناء في الدنيا إلا بقربه وطاعته وعبادته وبذل النفس والمال في سبيله ، ولا أعطية في الآخرة أفضل من رضاه .


Originally published at drheshamkamal.wordpress.com on December 7, 2016.

Like what you read? Give Hesham Kamal-د.هشام كمال a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.