من كان في هذا البناء ؟

يقول ابن خلدون: عمارة المجتمع قبل عمارة البنيان. ويقول ونستن تشيرتشل: نحن نشكّل مبانينا وبعدها، تقوم مبانينا بتشكيلنا

رغم أن المقتبسين متعاكسين إلا انهما يدعمان فكرة واحدة؛ فلإيجاد كتلة بناء تتماشى مع تقاليد مجتمع ما، عليك فهم المجتمع الذي تبني من أجله قبل البدء بعملية تصميم البنيان.

وبالمقابل لتحليل كتلة تم بناؤها، عليك فهم ثقافة وتقاليد المجتمع الذي بُنيت من أجله فناسبت أسلوب الحياة في عصره. فلا تراث يدوم ولا تاريخ يُعاصر حتى اليوم، وإن وُجد فهو معروض للعلم والمعرفة وقد يعاد استخدامة بطريقة خفيفة -غرضها الحفظ- فتجعله قائماً حتى اليوم.

حسناً، كيف أفهم المجتمع بوقت سابق؟

لفهم المجتمع القاطن بمنشأة معمارية تراثية، ما عليك إلا حل معادلة بسيطة تتمثل بعدة متغيرات، ولحلها عليك ان تجعل منظورك شامل بعدة مجالات.

صورة تبين المعادلة: تجربة المستخدم داخل المبنى، تراكب كتل البنيان، النقوش واللغة الجمالية المميزة للبناء المحلي عن غيره = فهم المجتمع عن طريق المبنى

فبطبيعة المعماري، يقوم بتحليل أي منشأة معمارية يفككها لثلاث نقاط عامة: (تجربة المستخدم داخل المبنى، تراكب كتل البنيان، النقوش واللغة الجمالية المميزة للبناء المحلي عن غيره). وتتفرّع هذه النقاط الأساسية لتصل إلى تفاصيل دقيقة كممرات داخلية وخارجية، توزيع حيزات، مداخل، فتحات تهوية،ألوان، زراعة، وغير ذلك من العناصر المكوّنة.

وبطبيعة التاريخي، يقوم بالبحث والقراءة عن المؤرخين الذين نهضوا في ذلك العصر وكتبوا عن مجتمعه وثقافتهم وقصصهم.

وبطبيعة الباحث الاجتماعي، يتواصل مع أهل المنطقة ليقوم بالاستفسار عن صاحب المنزل، عدد سكّانه وعدد الاجيال التي مرّت به، مستمعاً لقصص بسيطة تحمل أدلة على أثر البنيان في تغيير ثقافة قاطنيه، بعين طازجة وعقل خالٍ من الافتراضات الشخصية، حتى يصل لمرحلة تعاطف عميقة معهم تؤهله بالنظر لهم كعناصر إنسانية لا كمتغيرات رياضية بحتة.

بعدها، كما يعمل المحققون وكما تعمل بعض الأمهات فور دخولها لغرفة ابنها الفوضوي، تمسح المكان بعينيها وتضع عدة افتراضات، فمثلاً رمي قطعة الملابس على الكرسي ربما يكون دليلاً على استعجال الفتى فاضطر لتغيير لباسه متفادياً التأخير عن موعد معين. او ربما تكون متّسخة ولم يقم بوضعها في سلة الغسيل. إلى ان تتزايد الافتراضات ”الرُّبمات“ وهكذا… فتجمع قاعدة بيانات وقد تقوم بسؤاله هو أو سؤال إخوته للتحقق من صحتها حتى تُثبت وتتخذ الاجراء اللازم بالتعامل معه، وياويله هههه.

المنشأة المعمارية تُشكّل لتخدم تصرف الإنسان والإنسان بعد استخدامها تتغير تصرفاته تبعاً للتصميم من حيث تراكب الكتل والجدران والسيناريوهات المتمثلة في استخدامه. وألفة المكان واختلاطه بالثقافة المحيطة تُلاحظ بوفرة النقوش واستخدام لغة الجماليات الدارجة في ذلك الزمان والمكان.

كيف نلاحظ انعكاس نظام العدالة الاجتماعية على المنشآت المعمارية المحلية؟ فمثلاً ماهي حقوق المرأة في الثقافة العربية الإسلامية وكيف نستطيع استخلاصها عن طريق تحليل معماري بحت لعمارة محلية؟

#تشويقة هذا ما سأقوم بالتحدث عنه في المقالة المعمارية القادمة..