أقدم أنواع الحياة

حفظ النحل في الكهرمان لملايين السنين
تأليف: ياسمين فوكس سكيلي
ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو

قد تعيش بعض الميكروبات لملايين السنين-وربما تتجاوز ربع مليار عام. كيف تتمكن من تفادي عاديات الدهر؟

تعيش بعض المرجانيات لآلاف السنين. وتحيا بعض أنواع سرطان البحر الامريكي لغاية 140 سنة ووصلت إحدى السلاحف لعمر 250 سنة وبلغت إحدى الرخويات سن 507 عام عندما قتلها البحاثة بغير قصد. ولكنها جميعاً لا ترقى لديمومة مخلوقات شديدة الضآلة بحيث لا ترى بالعين المجردة

تتواجد في أشد أجزاء سيبيريا برودة والقارة القطبية الجنوبية وكندا تربة بقيت متجمدة منذ آلاف السنين. وحبست طبقات هذه التربة المتجلدة على عمق مئات الأمتار والمعروفة بالجليد السرمدي بكتيريا حية تكاد تقارب الجليد سناً

لا يعلم أحد كيف بقيت البكتيريا حية ولكن البعض يعتقد أن أسرار الميكروبات قد تفتح مغاليق الأبدية

كان العالم الروسي سابت ابيزوف يعمل في محطة فوستوك في القارة القطبية الجنوبية عام 1979 عندما اكتشف بكتيريا وفطور وكائنات مجهرية أخرى على عمق 3600 متر تحت صفيحة الجليد القطبية فوق بحيرة فوستوك

تجمد الجليد على مدار مئات آلاف السنين ومع ذلك كانت البكتيريا تعيش في داخله ولم يوجد طريقة موثوقة لوصولها من السطح إلى الأسفل بعد تشكل الجليد ولذلك استنتج ابيزوف أن عمر البكتيريا نفسها مئات آلاف السنين- وأقدم من أية مخلوقات عثر عليها من ذي قبل

وفي عام 2007 سقط سجل الديمومة مرة أخرى. عندما حقق اسكي ويليرسليف وفريق من جامعة كوبنهاجن إنجازاً تاريخياً عندما اكتشفوا بكتيريا حية بعمر نصف مليون عام متخفية أسفل طبقات الجليد السرمدي في القارة القطبية الجنوبية و سيبيريا وكندا

وكانت تلك المرة الأولى التي يعزل فيها البحاثة الحمض النووي (ال د ن ا)من مثل تلك البكتيريا القديمة النشطة

وبعد ذلك بعامين خطف نوع آخر من الميكروبات القديمة الأضواء حيث ساد إعتقاد بوصوله إلى عمر 3.5 مليون سنة

محطة أبحاث فوستوك في القارة القطبية الجنوبية

استخرجه العالم الروسي أناتولي بروشكوف. وجاءت هذه البكتيريا من جليد أبدي في موقع يعرف باسم جبل الماموث في سيبيريا

وقام بروشكوف بحقن نفسه بالميكروب ذو ال3.5 مليون ربيعاً والمعروف بإسم باسيليس اف على أمل أن تعمل البكتيريا ذات الحياة الأبدية وتحدث سحرها وتطيل عمره أيضاً

قد تعيش بعض الصنوبريات الخشنة لمدة آلاف السنين

وقام بتجريب النوع غير المنشط من البكتيريا على الفئران وذباب الفاكهة وخلايا الدم البشري وحصل على نتائج مبشرة.ويدعي أنه لم يتعرض لإنفلونزا منذ عامين بعد معاملة نفسه مع الميكروب القديم

ما الذي يدفع العلماء للاعتقاد بأن البكتيريا في داخل الجليد السرمدي قديمة إلى ذلك الحد وليست سليلة البكتيريا المحبوسة ابتداءً قبل آلاف أو ملايين السنين؟

يقول الجواب أن البكتيريا محتجزة بعمق ي التربة المتجلدة بحيث لا توجد لديها فسحة للانقسام. وحتى إن انقسمت لا يوجد مكان للخلايا الجديدة

هل يمكن لجرعة من الميكروب أن تزيد من عمر ذباب الفاكهة؟

إذاً إذا كان التكاثر متعذراً فإن الخلايا الميكروبية الموجودة حية في الجليد الأزلي يجب أن تكون نفسها المتجمدة في المكان عندما تبرد المناخ

ويسري المنطق ذاته على الإدعات المثيرة للجدل بأن بعض البكتيريا الفردية قد عاشت ل 250 مليون سنة

جاءت هذه البكتيريا من بلورات ملحية مدفونة على عمق 600 متر تحت الأرض في موقع في نيو مكسيكو لدى إنشاء موقع للنفايات النووية. وبهذا العمر المذهل(250 مليون سنة) تكون الخلايا البكتيرية قد عاشت عندما بدأت أوائل الديناصورات قد بدأت تخطو خطاها الأولى على سطح الأرض

عثر على بكتيريا دهرية في بلورات الملح.

يقول الدكتور رسل فريلاند من جامعة ويست تشيستر في بنسلفانيا والذي قام بالاكتشاف أن البكتيريا المعروفة بإسم فيرجيباكيليس سلالة 2–9–3 هي مماثلة لبكتيريا فيرجيباكيليس الموجودة في البحر الميت

وبعد استخراج الميكروبات القديمة من البلورات ووضعها في حوجلة مليئة بالغذيات عادت للحياة وبدأت بالنمو

ويقول بعض العلماء أن سلالة 2–9–3 أقل عمراً من 250 مليون سنة ربما بسبب التلوث فى المختبر. ولكن فريلاند على قناعة تامة بهذا العمر لإنها احتجزت بوضوح داخل بلورات الملح القديمة

يقول فيرلاند” كانت موجودة في البلورات وكانت حية. وكانت فرص وصولها لبلورة مختومة تقترب من الصفر كما أن فرص التلوث كانت قريبة من واحد في المليار.

ويضيف أن العديد من العديد من الأمثلة للبكتيريا المحتجزة قد أكتشفت منذ ذلك الحين. وعثر مؤخراً على بكتيريا يتراوح عمرها ما بين 33 و 48 مليون سنة في بلورات ملحية في بحيرة مالحة بوسط الصين

ولكن هذه الاكتشافات لم تصل إلى 250 مليون سنة

تكون الميكروبات القديمة التي عثر عليها في الجليد السرمدي أو في بلورات الملح على حافة البقاء. إذ افتقدت المقدرة على الإنقسام الخلوي بسبب نقص المكان ولذلك اضطرت كل واحدة منها لتحويل ما توفر لديها من الطاقة للحفاظ على خليتها المفردة على قيد الحياة

يقول فيرلاند” لا يمكن للبكتيريا أن تتكاثر داخل بلورات الملح لمحدودية العناصر الغذائية المتوفرة وتراكم الفضلات السامة

ولكن البقاء لملايين السنين أمر لا يصدق. تتحلل البروتينات والحمض النووي المسؤولة عن توفير الطاقة لتفاعلات الحياة داخل الخلايا الحية خلال فترة قصيرة نسبيا نتيجة لضرر الإشعاع

إذاَ ما السر وراء التغلب على هذه المصاعب؟

يعتقد بعض العلماء أن البكتيريا القديمة هي بنفس العمر الظاهر إذا كانت تمتلك الآليات اللازمة لإصلاح الحمض النووي والبنى الخلوية

ولكن ما هي آليات الإصلاح النشطة تلك وكيف تقوم بعملها في مثل تلك البيئة المعادية؟ ذلك أمر لا يزال مجهولاً

مثلاً تفتقد البكتيريا في الجليد السرمدي أو في بلورات الملح إلى الماء اللازم لتوفير الطاقة للإنزيمات التي تقوم بالإصلاحات الخلوية عادة

يعمل فيرلاند حالياً مع معهد هوارد هيوز الطبي لسلسلة المورثات من سلالة البكتيريا 2–9–3 والتي ستخبرنا المزيد عن آلية بقائها

قد تملك بعض البكتيريا الدهرية خطة بديلة للبقاء على المدى الطويل وربما تدخل في حالة من الركود

نعلم أن بعض البكتيريا تدخل في حالة سكون تدعى البوغ عندما تكون الظروف غير ملائمة للعيش

والأبواغ هي إلى حد ما تشبه بذور النباتات: تنمو “ قشرة” حول البذرة الهشة

وبعكس البذور نجد الأبواغ قوية للغاية. إذ تعيش مع وجود جرعات الإشعاع وتتمكن من البقاء لسنوات بدون ماء أو عناصر غذائية. ويستكين الميكروب في القشرة في حالة سكون تامة ولكن يمكن إيقاظه من جديد عندما تتحسن الظروف

وفي عام 1995 تمكن العالم راؤل كانو وزملائه من إيقاظ أبواغ بكتيريا عمرها 30 مليون سنة من معدة نحلة قديمة. حيث حفظت النحلة والبكتريا الموجودة في داخلها في قطرة من نسغ شجرة تحولت إلى كهرمان

يقول بعض العلماء أن المقدرة على تشكيل بوغ حماية لن تسمح للبكتيريا بالعيش لغاية 250 مليون عام. ويقولون أن الحمض النووي في الميكروب يتحلل ويتلاشى على مدى هذه الفترات الطويلة

ويواجه الحمض النووي هجوماً ثلاثياً من الإشعاع الكوني العالي الطاقة والإشعاع الشمسي على شكل أشعة جاما والأشعة فوق البنفسجية والإشعاع المحرر من الإنقسام التلقائي للنوى الذرية

قام الدكتور بول فالكوسكي من جامعة رتجرز بتجربة جمع فيها خمسة عينات من الجليد يتراوح عمرها بين 100000 سنة و8 مليون سنة من أسفل جبل جليدي في وادي بيكون ومولينز في القارة القطبية الجنوبية. وقام مع فريقه بمحاولة زراعة الميكروبات داخل الجليد. وتبين له أنه كلما كان الجليد أقدم عمراً كلما كان معدل طول أجزاء الحمض النووي أقصر في داخله وكان عدد الميكروبات التي يمكن إحياؤها من جديد أقل عدداً

وبتعبير آخر يمكن القول أن الحمض النووي المتجمد يتحلل بشكل مطرد مع مرور الوقت. نجح فالكوسكي في زراعة ميكروبات من كتلة جليد يقدر عمرها بمليوني عام واستنتج أنه بعد مرور 1.1 مليون سنة تحلل نصف الحمض النووي الأساسي

يقول فالكوسكي” أعتقد أن البكتيريا المعرضة لضرر الإشعاع في القطبين لن تعيش أكثر من 2 إلى 3 مليون سنة. وربما تحتاج إلى جرعتين من الأشعة الكونية للقضاء عليها. ورغم أن احتمالات التعرض منخفضة على المدى القصير هناك فرصة لحدوثه على مدار ملايين السنين. كما أن فرص التعرض للبرق في أي وقت من الأوقات منخفضة ولكن إذا عشت أكثر من عدة ملايين من السنين فسيتعرض كل مكان على سطح الأرض للصعق بالبرق

ومع ذلك يبقى فيرلاند على قناعة بأن البكتيريا تصمد لفترات أطول مما تقترحه تجارب فالكوسكي إذا توفرت الظروف الملائمة

ويضيف” تكون بلورات الملح منيعة أمام الأوكسجين ولذلك لا تحدث أية أكسدة وتكون مدفونة لذلك لا يكون هناك خطر من الأشعة فوق البنفسجية.”

ويلاحظ فيرلاند أن تشكل الأبواغ يؤدي إلى تكدس جزيئات الحمض النووي بكثافة مما يجعلها أقل تضرراً من الأشعة. وتحمي بلورات الملح نفسها البكتيريا من الإشعاع عن طريق دفع المعادن الثقيلة والتي تتحلل إشعاعياً على مدى فترات طويلة من الزمن

ويعني ذلك أن المصدر الوحيد للإشعاع من التحلل يأتي من البوتاسيوم-40 وهو نوع مشع من البوتاسيوم له نصف عمر طويل جداً يبلغ 1.25 مليار سنة. ويعني ذلك أن فرص نشر البوتاسيوم-40 للإشعاع منخفضة للغاية

يخلق الملح في البلورات بيئة خالية من الماء حيث تصبح الروابط الكيميائية داخل الحمض النووي أشد قوة. ويصبح الحمض النووي عصياً على التدمير

يقول فيرلاند” قمنا بدراسة وخلصنا إلى أن البكتيريا في الملح تتطلب 1000 ضعف الإشعاع الموجه لحمضها النووي قبل حدوث الضرر القاتل. ولذلك يكون هناك مكان مستقر للتخفي

هل هناك أهمية أشمل لمقدرة البكتيريا على البقاء ربما ل 250 مليون سنة؟. بكلمة واحدة الجواب نعم

إذا تمكنت البكتيريا من البقاء في حالة ركود لملايين السنين عندها لا يمكننا استثناء إمكانية نشوء أول حمض نووي على كوكب آخر في نظام شمسي آخر وربما في مجرة مختلفة ومن ثم انتقلت إلى الأرض عبر مذنب أو كويكب. تبعد أقرب مجرة لمجرتنا درب اللبانة وهي مجرة اندروميدا مسافة 2–3 مليون سنة ضوئية: وهي مسافة تقريبية للبكتيريا بحيث تعيش ل 250 مليون عام

ويضيف عمل فيرلاند ثقلاً إضافياً لفكرة أن الحياة ربما نشأت على المريخ مع اكتشاف ترسبات ملحية في النيازك المريخية

قد تشكل المخلوقات طويلة العمر مشكلة للمجتمعات البشرية اليوم. وربما يحتجز الجليد بعض الفيروسات والبكتيريا المسببة للأمراض

عثر على أحد تلك الفيروسات مجمداً على عمق 30 متر تحت طبقة من الجليد السيبيري السرمدي في عام 2014 حيث بقي هناك لما لا يقل عن 30000 سنة.وكان هذا الفيروس “العملاق” بيثو فيروس سيبيريا كوم بطول 1.5 ميكرومتر بحيث يمكن رؤيته بالمجهر العادي

وعندما أخذه العلماء إلى المختبر عاد للحياة وأصبح معدياً من جديد. لا يشكل هذا الفيروس خطراً على البشر لإنه يهاجم فقط الأميبيا الوحيدة الخلية. ولكن العلماء يعتقدون أن المسببات المرضية المحتجزة في الجليد السيبيري قد تسبب ضرراً للبشر وتنتظر ذوبان الجليد لتبدأ فعلها القاتل

وربما يحتجز الجليد أنواعاً قديمة من فيروس الجدري

ربما لا تصمد الفيروسات البشرية كثيراً في الجليد. ويحيط بفيروسات الإنفلونزا والايدز غلاف دهني بحيث تصبح أكثر هشاشة من الفيروسات ذات القشرة البروتينية الخارجية

تطلق مثل تلك الأبحاث صرخة تحذير. قد تكون أقدم أنواع الحياة على الأرض أصغرها حجماً ولكنها تحتفظ بالمقدرة على إحداث أكبر أثر في العالم الحديث

المصدر:

Some lifeforms may have been alive since the dinosaur era

By jasmine Fox-Skelly

3 June 2016

Bbc.com