أزمة الكتابة السياسية الساخرة في العالم العربي

تعتبر الكتابة الإخبارية الساخرة، شكلًا من أشكال التعليق السياسي الذي يتناول الأخبار من زاوية مختلفة وغير متوقّعة بالنسبة للمتلقي، حيث تتطلب من الكاتب جهدًا كبيرًا لجعل القارئ يضحك، وبدرجة أكبر، أن يقدّم له إضافةً نوعيّة تُثري المحتوى، لا مجرد تعليقات ساخرة.
ولتحقيق هذه المعادلة، فإن قراءة الأخبار هي نقطة البداية التي ينطلق منها أي نص ساخر، ومن خلالها يحدّد الكاتب الزاوية التي سينظر من خلالها للقضية المتناولة، وكيف سيعلّق عليها، والجانب الذي سيتخذه، وهي الأساس الذي سيبني عليه نقده في كل فقرة داخل المقال.
من هنا تبرز أهميّة توفّر مصادر أخبار جيّدة وموثوقة بالنسبة للكاتب، تعتمد في بنيتها على حقائق وآراء موثوقة، ومعلومات موضوعية، ولديها قدر عالٍ من المهنية، من شأنها مساعدة الكاتب على بناء رأي متوازن ينطلق منه في صياغة المادة. وهذه الجزئية تحديدًا، من أهم المصاعب والتحديات التي تواجه “الحدود”، فمهما كان المصدر الذي قرَّرنا اعتماده لبناء المقال موثوقًا، فإنه وبسبب قصور مصادر الأخبار، نضطر إلى البحث لساعات حتى نصل إلى نتيجة أكثر دقة، ذلك إن استطعنا الوصول إليها.
يعود هذا بالدرجة الأولى إلى ضعف إمكانيات وسائل الإعلام المحلية المستقلة، وبالتالي عدم قدرتها على توظيف فريق عمل قادر على تغطية قضايا إقليمية، فتميل للانشغال بالتحقيقات الاستقصائية المطوّلة، وهي بالتأكيد ذات أهمية كبيرة لا يستهان بها في مجالات عديدة، لكنها لا تلبي حاجتنا لمصادر إخبارية تقدم تغطية يومية سريعة وموثوقة للأحداث.
من جهة أخرى، فإن معظم المؤسسات الإعلامية الكبيرة، المعنيّة بقضايا المنطقة، تعمل كآلات لضخ البروباغاندا بحسب أجندات الحكومات التي تتبع لها، والتي مكَّنتها من أن تصبح بهذا الحجم من الإمكانيات والقدرات، مثل الجزيرة والعربية وروسيا اليوم وصحيفة اليوم السابع المصرية؛ فبالرغم من نشرها للكثير من الأخبار وتناولها لعديد من القضايا بشكل يومي، إلا أنها تقدم موادها بشكل يدعم وجهة نظر من يقف خلفها، أو تعمد إلى نشر معلومات مضللة وخاطئة لتشويه الطرف الآخر.
كما أنّ قراءة الرواية من مصدرين مختلفين، تزيد الأمور تعقيدًا، إذ عادة ما نصطدم بمشكلة تضارب المعلومات. فإذا أخذنا الأزمة في سوريا كمثال، سنجد أنفسنا مجبرين لتصديق أحد الأطراف دون أدلة، أو تكذيبهم جميعاً على حد سواء.
المشكلة الثانية التي تواجه الكاتب عند تحولّه لمتابعة الأخبار من جهات أجنبية، يفترض أن لديها درجة أقل من الانقياد لأجندات حكومية، تظهر بشكل جلي بعدم امتلاك هذه المؤسسات طاقمًا كافيًا من الصحفيين والمراسلين الميدانيين في المنطقة العربية،إذ لا يمكن لأي مؤسسة إعلامية مهما بلغ حجمها، أن توظف عشرات أو مئات الصحفيين في كل دولة من دول العالم، ما يعني بالضرورة استناد طواقمها الصحفية المتوفرة، وبدرجة كبيرة، إلى تقارير محلية معدّة مسبقًا، واعتمادها على التعليمات القادمة من هيئة التحرير في الخارج ليحددوا الشكل الذي سيكون عليه تقريرهم، فتتحول المادة إلى براهين تثبت وجهة نظر مسبقة، بدلًا من أن تشكّل مادة صحفية تقدم معلومات موضوعية. فإذا عدنا إلى سوريا كمثال، فإن معظم التقارير تركز على كشف جرائم الأسد، رغم وجود أكثر من طرف يرتكب جرائم مروّعة.
حاولت الحدود التعامل مع هذه الإشكالية منذ اليوم الأول لها، حيث نعتبر أن أهم ركيزة لنا هي بناء سمعة جيدة تعتمد على المصداقية، ولا تقف مع طرف ضد الآخر، وتنتقد كل من يستحق النقد، لكنّنا مع ذلك، ومع تزايد تعقيد المشهد السياسي في العالم العربي وضياع المعلومة وتناقضها، نعجز أحياناً حتى عن تحديد من هو هذا الطرف الذي يجب انتقاده.
