ولدت بلا شعر .. لم أر سوى أمي و ضرعها .. بدأ الشعر في النمو على سنامي .. و بدأت أخفافي تتفلطح و تتشكل كأخفاف أمي .. انصلب عمودي و صارت أرجلي أقوى مما كانت فصرت أطلق لها العنان و أجري و لكني لم أكن أجرؤ و لو لمرة على الابتعاد عن مرآي أمي .. و كانت قافلتنا كبيرة .. دليلنا كان بشريًا عرباويًا عجوزًا .. هادئ الطبع أسمر البشرة .. حاد الملامح .. يثق فيه الركب كله .. و تثق فيه أمي بشكل كامل و تمشي هي و سائر جمال القافلة دون تفكير

كان يسحبنا نحو سراب بعيد في الرمال و كأنه يريد أن يصل بنا إلى ذلك الخط الأفقي الفاصل بين زرقة السماء و صفرة الرمال .. و كان رأيي أنه و إن كان ذلك الخط هو وجهتنا فلم يكن الأمر يحتاج لدليل للوصول إليه .. و لكن أمي كانت تمشي وراءه فكنت بدوري أنا أمشي وراءها دون اعتراض .. استقوت علينا الرياح و بدأت تهزنا .. و هم الدليل و من معه من بشريين في الهرولة وإناخة كل جمال قافلتنا بما فيهم أنا و أمي .. و بدأوا في ترتيب حاجياتهم وما معهم من أغطية للاختباء من العاصفة القادمة و الاستعداد لها

لم أكن قد قابلت أية عواصف من قبل .. بل و لم أكن أعلم ما هي العاصفة من الأساس .. و لكني رأيت أمي قد كورت جسدها حولي و أراحت رقبتها فوق رأسي و كأنها تحميني من شيء ما لم يحدث بعد .. ثم أسدلت جفناها على عينيها و أغلقت فتحات أنفها و جلست ملتصقة بي دون حراك .. أحسست ببعض ذرات الرمل التي تحملها العاصفة تلتسق بوجهي فأغلقت عيناي وفتحات أنفي مثل أمي وسكنت إلى جانبها ..

ولما توقفت لسعات الرمال وانتهت العاصفة فتحت عيناي فلم أر بوضوح .. لكني لاحظت البشريين يبكون ملتفين حول الدليل الذي كان ملقى على الأرض مغمض العينين ..

صرت شابا و تغير دليل قافلتنا فصار شابا هو الآخر .. كان يحبني أو كذلك كنت أظن .. لم يكن يمطتي ظهر أي جمل من القافلة إلا ظهري .. و صرت أنا قائد القافلة لأني أحمل الدليل .. و كانت أمي فخورة بتلك المكانة التي وصلت لها .. مرت أعوام منذ آخر عاصفة رأيتها حين كنت طفلا .. قامت العاصفة فبحثت عن أمي لكي اتأكد من سلامتها فقد بلغت من العمر أرزله وصارت ناقة عجوزًا .. فحاوطتها بجسدي كي أحميها وأغمضت عيني وأغلقت أنفي .. فحين انتهت العاصفة وفتحت عيناي، وجدت أمي ملقاة على جنبها .. ماتت أمي و لم تتحمل لفح العاصفة ..

مرت أعوام أخرى و حل محلي في قيادة القافلة جمل أصبى و أفتى مني .. و صرت جملا عاديا .. كنت أظن أن دليل القافلة صديقي ورفيقي في دربي .. لكنني أيقنت أن مثله كمثل أي رحال عرباوي .. صديقه الأقرب هو الجمل الأقوي .. لم يختارني .. بل إختار بأسي .. و لما انزوى، آثر صديقي بيعي في أحد الأسواق بالقرب من أهرام البشريين المثلثة، فصرت لا أرى العواصف لأقاومها، لا أغلق عيني إلا لأنام، ولا أغلق فتحات أنفي مطلقا، بل صرت أعمل بالأجرة، أسلي البشريين ليس إلا، لا لأنقلهم، ولا لأساعدهم، بل لأني مجرد ممسوخ من كائن كان في يوم ما جملا

لعن الله البشريين و غدرهم، وبارك الله في العواصف وما تركت في من إحساس بأني جملا

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.