عن الهدف

هناك منحنيات في حياة كل منّا تغيّر من فكره وتصوره وهدفه في الحياة تغييراً جذرياً. ويمكن القول أني مررت بالكثير من المنحنيات التي شكلتني مجدداً. شكلتني واخرجتني يمنى أخرى بفكر مُختلف قليلاً ونظرة مختلفة للمستقبل وللعالم من حولي. هناك أفكار وقيم كامنة بداخلي ومستقرة ولكن طريقة التعبير عنها اختلفت وربما تبلورت فأصبحت أكثر نضجاً وأكثر تفصيلاً. تخبرني فتاة بأنها تطمح لتكون معيدة في جامعتها، تتسع عيناي التي تفحص تعابير وجهها وهي تقول هذه الجملة و تتقافز في رأسي الكثير من رذاذ السنوات المنصرمة التي قضيتها في ذات الطموح. بعد ثواني من الصمت اسألها:”ليه؟”. وكما توقعت ذلك الرد الذي يتوارثه الأجيال:”ابقى الأولى على الدفعة، ومن الاخر عشان عيلتي عاوزه كده”. أبتسم في حزن لاختزال هذا الطموح في تلك الجملتين. وأستعيد ذلك السؤال الذي دار في عقلي كثيراً: من يتحمل مسؤولية نقصان المعرفة وضيق الأفق لهؤلاء الأجيال؟ بل من يتحمل مسؤولية إعادة طرح هذه المواضيع وصياغتها بشكل مختلف لتتسع المدارك.
هناك الكثير من الإسهامات لرفع قدرات الطالب الجامعي بل بمعرفته بالحياة المهنية. وهناك الكثير من المنظمات التي تنظر إلينا معشر صاحبي شهادات الجامعة بأننا ناقصو التدريب ولا بد من نشاطات كثيرة مختلفة لتمتلئ بها سيرتك الذاتية حتى تكون متقبلاً في المجتمع هاهنا وفي الخارج. وهنا لا أتكلم عن هذا الجانب من التنمية ولكن عن ذلك الفكر الآخر الكامن في الأعماق، الذي لابد أن يكون في الأعماق ليصبح للأفعال معنى.

الأهداف الدنيوية ليست كافية لكائن يشعر بأن أيامه في هذا الكون معدودة. بل هي بلا معنى إذا كانت نهايتها هاهنا فقط. تخيل أن تصبح أهدافك مفعولها في هذه الدنيا فقط وأن يكون الموت نهايتها. تخيل أن تموت قبل أن يُصبح ذكرك عالياً، أو أن تثري حياة أناس آخرون. هذا سباق العالم مع الموت.

تلك النظرة بأن الحياة هاهنا هي فقط منتهى سعادتنا تجعل السعيّ نحو الأهداف رتيب وممل، بل فاقد للمعنى. رغم ذلك يلاحق الكثير منّا فكرة نظرة آبائنا لما نفعله، وفكرة ما يراه المجتمع فينا، ونحاول أن نتطاول في رفع رؤوسنا لكيّ يرضى عنّا هذا المجتمع وهذا العالم. ينتابني أحيانا فضول لمعرفة كيف يعيش الآخرون في البلدان المختلفة الذين لا يحملون الفهم القرآني للحياة لا كيف يعيشون وفقط بل كيف يعيشون بتطلع إلى نجاح و كفاح وعمل ونهضة؟ ما الدافع الذي يكمن وراء أفعالهم؟ وأتذكر عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفاحه في الدفاع عن رسول الله كأنه جند من جنود دعوة الإسلام. ولكنه مات على الكفر. ويقول د.الصلابي في ذلك أن عمل أبو طالب لم يكن نصرة للحق الذي هو لله بل كان لنفسه. كان يفعل كل ذلك لأنه يرى أنه كعم رسول الله يجب أن يقف بجانبه أن ينصره. وهنا الفرق بين حياة ناجحة ومرموقة وهي لله وأخرى ليست لله. هناك فرق بداخل الأنفس، في الهمم، في الأخلاق وفي نتائج الأعمال. أرى أبعاد الحياة التي هي لله أجمل من تلك الحضارة التي نعيش في ذيلها. ليس فقط لوجود المعنى والفهم الواعي الحقيقي للحياة بل أيضا بذلك السلام الداخلي الذي يُحدثه ذلك الأمر. ذلك السلام الذي مبعثه الإتزان في كل شيء، وفي الأمل بآخرة مليئة بالرضا والسلام والحقوق المستردّة.
لكم أتمنى أن يرقى تفكير الكثير لذلك المعنى الأبدي العميق. وأن لا يكون ذلك الرقي خافياً ومتستراً عن الآخرين بحجة الخوف من الرياء، بل ظاهراً يلهم الآخرين ويجذبهم إليه.

النجاح ليس دنيوي وفقط، والنجاح الأخروي مستحيل بدون نجاح دنيوي. والسير بدون منظومة قيم ومنهج سير مُتخبط ومضيع للوقت. فالاستقامة نعمة، والهداية لها كذلك. ومن تجربتي الشخصية إذا أردت إستقامة وهداية قم بالسعي لها. خذ خطوة واحدة صغيرة حتى وإن كانت أن تفتح سورة من القرآن و تدرسها وستُفتح لك أبواب هداية مختلفة.
منذ مدة مللت كتب تنمية الذات، وتلك المقالات والمدونات التي تحمل عناوين من نوعية 10 مهارات التي يجب أن تفعلها لتكون ناجحا، لتجد المعنى فيما تفعل. ربما يكون حجم ما قرأته -الكثير نسبيا- مقارنة بما نُفذ حقاً على أرض الواقع سبباً لشعوري بالملل من هذه الكتابات. وربما أنها كانت مرحلة نضج معينة انتهت عندما اعتدت كلماتها. وربما إنها لاتصل للأعماق وأن تأثيرها لايتجاوز السويعات أو الأيام. وأرى أحيانا أن هذه الكتابات نتائج تجارب شخصية فيها الناقص وفيها ماهو مرتبط بظروف الشخص وبيئته ومن حوله من أشخاص وقليل ما أجد فيها التجربة المثالية التي إن سار عليها أي منّا سينجح بلا محالة. كلّ ذلك أبعدني عن هذه الأجواء وحاولت أن أجد بديلاً أكثر قوة. وهو موجود ولكن على الأعين الكثير ما يحجب رؤيته.
وكانت على الرغم من بطء تحركي بعدها، ألا أنه أهم منحنى حدث لي هذه الفترة.

في يوم ما كنت أرتقب أمراً ما وأطلبه باستماتة أن يحدث و يكاد قلبي ينفطر من تلك الفكرة بأن أفقده أو أن لا أحصل عليه. ولكنّي لم أحصل عليه. لم تكن الخسارة متوقعة في نظري، جُننت حينها كيف يحدث هذا وضاقت عليّ الأرض بما رحبت. ظننت إنها نهاية كلّ شيء أفعله. وفي تلك اللحظات رأيت وجهتي الحقيقة وهدفي الحقيقي.

نكتب أهدافاً ونعلقها أمامنا ولكن القلب أحياناً بل كثيراً ينحرف فيحيط الهدف برغبات أخرى تنزع عن الهدف رقيه وأجمل مافيه بأنه يكون عبادة لله. يتحول إلى هدف عبادة للذات وللرغبات. وهنا فرق أبو طالب عن الصحابة في نصرة رسول الله ودعوته. هناك هدف للنفس وفقط ولا يتجاوزها وهناك هدف عبادة لله. وما بينهما مسافة مئة عام.
لد. النابلسي جملة تضع ميزان لكل شيء تفعله في حياتك وخصوصاً في كلّ شيء تحبّه. “كل شيء يقربك حبّه لله فهو حب في الله، وكل شيء حبّه يبعدك عن الله فهو حب مع الله وذلك هو الشرك.” مقياس لكلّ حبّ، وما أهدافنا سوى أشياء نحبّ أن نصل إليها هل تلك الأشياء ستقربك من الله؟ستزيدك حبّا لمن خلقك؟ أم أنه حبّ يُلهيك وينسيك الله ووجوده وعدله وكرمه ورحمته؟

لتبسيط الفكرة: الهدف بأن تكون أي شيء بأن تفعل أي شيء مختلف أي شيء مبدع أي تأثير أي إصلاح حبّك لفعله يجب أن يكون مرتبط بشكل ما بحبّك لله. إن لم يكن فهو حب مع الله وفي هذه اللحظة يجب أن تراجع وجهتك. لن يكون هذا الأمر تحت قياس الآخرون بل هي علاقتك الخاصة بخالقك ببساطة لا تدخل لبشري بينك وبينك الله. ولكن حبّك لله سبحانه وتعالى يجب أن تعبّر عنه. ويجب هنا لأن العالم بحاجة لهذا، بحاجة لإن يصحح كل من فيه وجهته ليس فقط لصلاح العالم بل لتجد الأنفس ملاذ آمن تطمئن إليه. فإن صدقت علاقتك مع الله وصدقت وجهتك لن تهتم بما يُقال وكيف سيقال وكيف سينظر إليك الآخرون علاقتك التي بينك وبين الله مالك الملك أكبر من تلك النظرات ومن كلمات الآخرون.

أخيراً،

جهاد النفس لن يتوقف. ستكون دوماً في صراع، ولكن لن تجد معيناً على نفسك كالقرآن و القراءة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم أجميعن.

كونوا بخير، 
يُمنى
كُتبت يوم الأثنين-13 فبراير 2017