القنفذ2

*لرؤية أوضح ينصح بقراءة القنفذ1 من هنا

كان لازال فى ذهنه صورة الحية الصرعى أمامه وصورة الارانب التى التهمتها يوما بعد يوم ,جزاء عادل هو اذن : من قتلَ ٌيقتل. 
ودار فى ذهنه أكثر من مرة لمَ لا تقاوم الأرانب تلك الآفاعى؟ إن أعدادهم تفوق الآفاعى بمراحل ,ربما لأنهم لا يقدرون أو لأنهم ضعفاء.. لا إنه الخوف هنا سيد اللعبة.

الأرنبة منهم تخشي أن تتدخل فى صراع كهذا فتترك ابناءها العشرة وحدهم , بل أنها تلقنهم أن يبتعدوا متى يرون صراع كهذا, الغريبة أن الأرنبة ستكون عاجلا آم أجلا هى أو احد ابناءها بين نابى هذه الحية, حتى وإن نجت هى ومن تعرف .. كيف ترضي أن ينتهى الحال بأرنب مثلها نهاية كذلك؟ حتى وإن كان غير أرنب , لماذا؟
لماذا يرضون اذا؟ أهذه الحياة تليق بهم؟ 
أيستطيع الخوف أن يفعل كل ذلك؟

الآفاعى على النقيض الآخر لمَ يفعلون ذلك؟ لقد رأى فى موطنه الجديد العديد من الآفاعى تأكل الفئران الميتة, هى لاتطاردها ولاتنغص عليها معيشتها , هى فقط تنتظر الموتى منهم وتأكله. لماذا لا يفعلون كذلك مع الأرانب؟ 
الطبيعة فرضت وجود فصائل ضعيفة كالأرانب والفئران وأخرى أقوى كالآفاعى ولكنها لم تفرض النظام الذي يعيشون فيه. هم الذين فرضوه , الفئران فى هذه الغابة تعيش فى سلام مع الآفاعى أما فى غابتنا لمَ بغت الآفاعى علينا, إنه الخوف نعم إنه هو … فلو قاوم الأرانب الآفاعى لأمتنعوا عن أعمالهم الفظيعة هذه ولكنهم جميعا جبناء ينظرون إلى حياتهم فقط … لا بل هو جبن ممزوج بغباء لأن حياتهم هى العرضة للخطر.

*اتزان الأنظمة فى الغابتين

وأخذ يقارن بين حاله فى هذه الغابة وبين الغابة الأخرى, هنا يعيش الجميع فى وئام وسلام, الآفاعى مع الفئران و القرود, جميعهم أصدقاء ويعلمون أنه رغم أختلافهم ألا أن الحياة فى هذه الغابة لا تتخلى عن أى منهم. جميعهم من أقواهم لأضعفهم يعلمون ذلك , لم يختر أحد منهم أن يكون آفعى أو قرد أو فأر: واذا بدأ أحدهم فى إعلان تفرده وهيمنته سيظهر صراع شديد يضعف الغابة ويخسرون جميعا. 
فالآفاعى يجب أن تسمح للفئران أن تتكاثر بأعداد محددة حتى يكون لديها غذائها المناسب من الفئران التى فارقت الحياة. والقرود تنافس الفئران على طعامها فلا تسمح للفئران بالزيادة الكبيرة التى تجعل الفئران تهيمن على الغابة وتمنع نفسها الآفاعى اذا زادت عن حد معين. 
هو نظام إذن متزن يعلم الجميع أن لديهم دور يجب أن يؤدوه رغم صغره

هو نظام متكامل ومعقد اذن, يصل إلى الإتزان على قدر تاثير كل فرد فيه, الإتزان هو الوضع المريح للجزء المهيمن من الأفراد. ففى الغابة القديمة كانت الآفاعى هى المهيمنة والمتحكمة فى اتزان النظام. وكيف يرفض الآفاعى غذاء لذيذ كل يوم دون أدنى مقابل؟ عندما تخاف الأرانب, تلتهم الآفاعي.
أما غابته هذه فلا يوجد فرد مهيمن, كل الأفراد مهيمنون وكلهم ياثرون فى النظام لأن الوضع الأمثل للنظام يقتضي ويفرض عليهم ذلك.

ثم نظر إلى نفسه وشعر بسعادة داخله , ربما لأول مرة يشعر بالسعادة أنه فقد أمه وعائلته جميعا , لأول مرة يشعر بالسعادة أنهم تركوه وحيدا فى الغابة. ربما لو كانوا معه لعلموه كما تعلم تلك الأرنبة وليدها أن يبتعد عن الصراع, ربما كانوا علموه الجبن كما علمتهم أُسرهم. 
ثم تذكر تحذير الأرنبة وليدها من أشواكه الصغيرة التى ربما تصيبه بالأذي وكأنه ثعبان هو أيضا! لقد كره مثل هذه التحذيرات وربما على القدر الذي أصابه من الآلم لنفور هولاء منه على القدر الذي يشعر به بهذه الراحة فى نفسه.

ماذا يفعل هنا اذن؟ إذا كان النظام مستقر تماما فى هذه الغابة, بل مستقر وجيد أيضا فماذا يفعل معهم؟ هو لايؤثر بشكل أو بآخر على الحياة أو النظام فى هذه الغابة. 
ربما لم تكن مصادفة أن يفارق أسرته حتى لا يعلموه الجبن 
ولم تكن هذه الأشواك فوقه مصادفه
وانتقاله لهذه الغابة مصادفة
 ربما يكون كل ذلك لتحريك إتزان غابته التى ولد فيها.
نعم اذا كان عليه أن يقدم شيئا لهذه الأرانب لن يكون نفوره منهم كما نفروا منه ولا انكاره لهم كما أنكروه , إذا كان عليه أن يقدم شيئا :فهو تحريرهم من الجبن الذي تسبب فى كل ذلك .

ربما كان كل ذلك هو استغاثه الغابة بالقدر, فهى لم تستطع أن تتحمل هذه الوحشية وكذلك هو.

*صور الحيوانات مأخوذة من هنا

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Mahmoud Elmehlawy’s story.