صدفة

“Only the illusion of coincidence”

قضيت فترة طويلة هذا الأسبوع فى دراسة نظام يتحكم به ثلاث متغيرات رئيسية وكان هدفي هو الأستمرار فى تغيير الثلاث حتى أصل إلى قيمة محددة للنظام. الأمر بشكل أو بأخر هو عملية إيجاد القيمة المثلى أو “optimization”.

كانت كل تجاربى السابقة تعتمد على أنظمة أو مشكلات معروف فيها تاثير هذه المتغيرات على النظام المعنى بالدراسة , الأمر الذي لم يكن متحقق فى النظام المطلوب دراسته هذه المرة. وبالفعل بدأت تجاربى بتغيير قيمة متغير واحد ودراسة التاثير على النظام مع الإبقاء على المتغيرين الأخرين دون تغير . يتم رصد النتائج ثم أقوم بتثبيت هذا المتغير ودراسة الأخر وهذه طريقة تقليدية متبعة منذ القدم.

أجريت الكثير جدا من المحاولات حتى توفر امامى الكثير من المعلومات عن المتغيرات الثلاثة والنظام. والعجيب هنا أنى لم أقدر أن أفسر هذه المعلومات بشكل منطقي , وكان الحل الوحيد أمامى أن أزيد عدد المحاولات حتى تزداد المعلومات وأستطيع منها أستنباط شئ يفسر ذلك علاقة هذا النظام بهذه المتغيرات. والحقيقة انه كلما ازدادت المعلومات كلما ازداد الأمر تعقيدا و كان أمامى خيارات قليلة: أما أن أسلم بأن هناك مشكلة فى محالاوتى التى تنتج قيم عشوائية لا يمكن ربطها أو أن العشوائية هى جزء من هذا النظام أو أن النظام معقد للغاية -وهو فعلا معقد- لدرجة أنه لا يمكن أستنباط العلاقة بين المتغيرات والنظام ببساطة.

كان من السهل اثبات أن العشوائية ليست جزء من النظام بتكرار المحاولة بنفس قيم المتغيرات والحصول على نفس قيمة النظام فى كل مرة , يبدو أن الأمر ليس عشوائيا -على الأقل من هذه الناحية- , ثم بدأت فى عملية تمحيص للعمليات التى أجريها والعلاقات التى تحكم النظام بالمتغيرات حتى أضمن أن محاولاتى صحيحة على الأقل من الناحية النظرية .

بقي الأحتمال الأخير وقد كلف المرء عناء ومشقة واستقصاء وخيال أيضا, ففى وسط هذا الكم من المعلومات التى كما ازدادت ازداد تعقيد النظام تبقى حاله التوهان والضعف والعجز هى الشعور المصاحب. كان شعورا غريبا أنك لا تستطيع أن تفسر النظام الذي بنيته خطوة خطوة بيدك بل واستقصيت فى معرفة الكثير عن تفاصيله. أصبحت اتناوب على هذه المعلومات الضخمة واذهب لأفكر ثم أعود حتى بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا , لقد كانت المتغيرات مرتبطة بشكل منمق رائع وجميل, يكاد من جماله يقارب السحر , “It was elegant”.

فعلى قدر العشوائية والتداخل الموجود بينهم, كانوا جميعا مرتبطين بشكل سحرى غريب لا يدع مجالا للشك بأن المعلومات أمامى كانت مصادفة , كان وراء المصادفات نظام أكبر يشرحها ويفسرها ويتحدث معها.

صدفة ثم صدفة غريبة ثم حكاية جميلة

أصر جدى على ألا يختار احد أسمي , ولا حتى هو وأمر أن يتم تسميه كل شمعة أمامه بأسم ما يختاره من يريد أن يسمينى به ثم يتم اشعال جميع الشموع مرة واحد وأخر شمعة متبقية تكون هى أسم المولود فكان التنافس بين شمعة مصطفي وأحمد و محمود و محمد وربما غيرها أيضا , وكانت الشمعة محمود هى الشمعة المتبقية , كانت هذه الشمعة الجميلة التى قررت جزء ثقيل من حياتى بعدها.

لمن لا يعرف النظام عندنا , فإن أسم الفرد يؤثر بشكل ضخم فى العديد من أحوالك فى هذه الحياة : مثلا زملاءك فى المدرسة يكونون جميعا بنفس أسمك او أحرف تقارب أسمك على أقل تقدير. وغالبا تنشئ صداقاتك كلها ممن حولك فى هذا المكان أو على أقل تقدير بعض منها. والعجيب ان شمعة قد قررت من على أن أصاحب او أتعامل معهم.

الحقيقة أن الأمر أعقد من أن يكون مصادفة تصنعها شمعها, فلو كانت شمعة مصطفي مثلا فازت لكانت حياة بكاملها قد تغيرت , لم تكن مصادفة أيضا عندما أدخلنى والدى مدرسة ما حتى أبدأ بالدراسة فى سن 5 سنوات ! وانا دائما الأصغر بين اقرانى فى أى فصل دراسي ذهبت حتى الآن ! ولولا هذه المصادفة لكنت قد عرفت أناسا آخرين تماما , وحياة مستقلة تماما عن الحياة التى أعرفها الآن . يمكننى ان أعدد الأمور البسيطة جدا والتى كنت أعدها مصادفة تتحكم فى جانب رئيسي وهام فى هذه الشخصية.

وكما فعلت مع النظام , لا يمكن ان تكون جميع هذه الأشياء مصادفة , إن ما ترتب على هذه الأمور يجعلها تتعدى هذه المنزلة ولا بد أنها تحكى حكاية تحتاج بالطبع تدقيق واستقصاء أكبر بكثير من الذي يحتاجه الأنسان فى فهم نظام معقد , ولا بد أيضا أن يكون السحر والجمال والروعة التى تربط هذه المصادفات أعلى بكثير مما يربط النظام , فكلما جمعت أجزاء الصورة وتعمقت فيها وجدت أنها تحكى حكاية جميلة جدا, حكاية رائعة , أروع من أن تدركها فى ظروفك العادية.