وفي الريح تنبت الزهور

ميّ محمّد أسامة

منذ طفولتي، أو بالأحرى منذ اللّحظة الأولى لقدومي إلى هذا العالم وأنا أدرك أنّني متميّزة. وسأقول متميّزة لأنّني كذلك. لم أكن أشبه أحد ولا مثل أحد. كنت مخلوقا ضعيفاً كامد اللّون مكتمل الطفولة. لم أدرك سرّ تميّزي إلّا في أعينهم.
لم تكُ أعينهم شرّيرة قط، بل كانت مُشفقة، والإشفاقُ أحياناً أشدّ صعوبة من القسوة ذاتها. حين كانت العائلة ترانا، أنا وأهلي وإخوتي، كانت تبتسم لأخواتي لينا وسناء وتهشّ لهما، أمّا إخواني، فحدّث ولا حرج عن قدّ رياض الممشوق وطلّته البهيّة وحكايات البنات في ملاحقته ، وجمال عبد الرحمن وذكاءه وقصصه الكثيرة. كانت كلماتهم تقف عندي دائما وكأنّها تتجاوزني قهراً، أو تتحدّاني لأغوص في عالمٍ صُمّم مسبقا على مقياس هِباتي, سمراء أو في الواقع، لا لون يمكنه التعبير عن لوني، نحيلة بأنف يشبه المنقار، شعر أسود فاحم وعينان مدوّرتان بالغتا الكبر.
"الله يستر عليها" دعاء شعبيّ ناجع تتناقله الألسنة لا يحمل في طيّاته إلّا الشعور الحارق بالأسى على المدعيّ لها. كنت أقف دائما أمام المرآة في الحمام، بعد أن أغلق الباب عليّ وأقفله جيّداً لأتأمّل وجهي في المرآة، وكنت أحزن دائماً وأقترح على نفسي مئات المئات من عمليّات التجميل علّها تعيد أنفي لمكانه أو على الأقل تعطي وجهي بعض صفة لون, في مرّات قلائل، كنت أفرح، لأنّ القبح يعطي صاحبته حريّة أكبر من اهتمام الناس بها، بل ربّما في مجتمعنا، القبح يعطي الفتاة كلّ شيء لأنّها تصبح للأسف "لا مرئيّة" في عالم اعتاد على الظاهر كمقياس، وعلى المظهر كي يعطي الأهميّة للشخص، عالم تافه.
في المدرسة أيضاً، لم أحظ بأصدقاء كثر، بل لنقل على الإطلاق. كان الأطفال في الابتدائية يطلقون عليّ بينو كيو صاحب الأنف الطويل. كنت أبكي في بداية الأمر كثيراً. أبكي حتّى يبتلّ حظّي علّه يرقّ ويصبح أفضل حالاً. مع الأيّام اعتدت الأمّر؛ فمن يعاشر الناس عليه أن يكون فدائيّا إلى درجة ما، مجهّز بالقليل من غضّ البصر والكثير من الصمم حتّى يتجاوز عن كلامهم الذي يشبه القنابل سريعة الانفجار في داخلك.
في تلك الفترة قابلت جيداء، صديقتي الوحيدة في العالم، حيث ألفيتها تبكي بعد أن تلوّثت حقيبتها، في طريق عودتها إلى البيت بالوحل المنتشر على الطرقات في الشتاءات الماطرة. جلست إلى جانبها على الرصيف، مددت يدي بمنديل لتكفكف دمعها ونظّفت الحقيبة معها. ابتسمت لي بودّ يومها، بامتنان شديد. وكانت المرّة الأولى التي أشعر فيها بامتنان أحدهم وهو ينظر إليّ.
ربّما كان هذا هو الدرس الأولّ في الحياة الذي عقلته جيّدا، طبعاً بعد درس أنّ القبيحات لا حياة لهنّ.. وهو أنّ العمل الطيّب قد يجدي نفعاً، أحياناً، وقد يجعلك ملحوظاً من الآخرين، لا بل ومصدراً لامتنانهم. وعدا عن أنّني، وجيداء، أصبحنا صديقتان من يومها، فإنّني أيضاً أصبحت من يومها شخص آخر. شخص يحاول الحصول على كلّ ما يحتاجه من اهتمام وانتباه أفقده إيّاها نقصٌ ليس بيده. وما ساعدني، حقيقة أنّ أمّي وشقيقتاي لم يعاملنني أبدا كشخص مختلف بل ساعدنني بالفعل على إدراك أنّ النقص بالشكل ليس شيئا يذكر.
من يومها بدأت أتصرّف كسهام أخرى، سهام ترى العالم كما تحبّ هي لا كما يريد قبحها، سهام التي لديها فرصة في كلّ شيء وأيّ شيء مثل كلّ أحد وأيّ أحد. وكانت وسيلتي الأعظم هي الكتاب، والدراسة. غصت فيها حتّى قمّة رأسي. أجتهد لأبرز دائما، علّه يراني من حباه الله قصر نظر متعلّق بمقاسات الوجوه، كي أثبت للوجود أنّني ورغم وجهي الغير لافت، عندي ما أستطيع تسميته لافتاً بالفعل.
كنت أقضي أيّام الدراسة في كدّ كامل مرهق، في إنجاز الواجبات على أتمّ وجه وصورة، ودراسة عميقة لكلّ ما قد يهمله الطالب العاديّ. أمّا أيّام العطل التي غالبا ما تمرّ في نزهات وتسوّق و واجبات مجتمعيّة، فكنت أقضيها وحيدة باختياري، مع مجموعة ضخمة من الكتب أكتريها من المتجر، أو أستعيرها، حين لا أجد ثمنها، من المكتبة العامّة حيث أصبحت هناك، وجهاً مألوفاً.. نوعاً.
وحين فوجئ أهلي، جميعهم، بخبر تفوّقي ذاك الصيف في امتحان الشهادة الإعداديّة ومن ثمّ، دعوة أسرتي كاملةً، من قِبل محافظ المدينة شخصيّا، لحضور حفل تكريمي أنا، وليس أحد آخر، رأيت نظرة الامتنان تلك التي رأيتها لمرّة من قبل، مرّة واحدة في عيون جيداء، لكن في عينيّ أبي هذه المرّة.
كان سعيداً للغاية، سعيداً أكثر من أن تستحمل الكلمات نقل مشاعره، كان الفخر يطلّ من عينيه وهو ينتصب شادّاً كتفيه ليقف بجانبي. كان هذا شعور لا يعوّض، لم يشعر به والدي ربّما في أكثر ساعاته فرحاً، ولم أحلم أنا به في أزهى تخيّلاتي.
عبء القبح من يومها، بدأ ينداح عن أكتافنا شيئا فشيئاً، ورغم اجتهاد إخوتي ونجاحاتهم، إلّا أنّ للتفوّق نكهة أخرى مختلفة تماما. لم أعد من يومها تلك الإنسانة التي تستحقّ الشفقة، حيث استبدل الجميع، بدءاً من ذاك اليوم: الله يستر عليها، بـعبارة ما شاء الله؛ ذاك الدعاء الذي يقال للجميلات فقط!
تلك لم تكن نهاية على الإطلاق، بل كانت شبه بداية، أو شبه إثبات لنفس عانت حتّى العظم من نظرات الآخرين، حيث عرفت كيف أخطو فوق شفقة الجميع، كيف أتجاوز سخريّتهم، كيف أكون بشراً سويّا بلحم ودم ومشاعر لا يُرى منها إلّا وجهها القبيح بعينين مدوّرتين.
بعد تفوّقي ضاعفت اجتهادي أكثر فأكثر مدفوعة بلمعة الفخر في عيني أبي. وكلّ ما يحدث حولي كان وكأنّه لا يعنيني، فلي عالمي الخاص حيث لا مرآة فيه ولا عيون تراقبني.
 فرحة أمّي بالعرسان الذين بدأوا بالتوافد على شقيقاتي من كلّ حدب وصوب لم تثر في نفسي شيئا، أقلّه كما كان يتصورّ الجميع، حيث كان كلامهم يتحوّل للإشارة أو الهمس حين أخترق جلساتهم بالصدفة أو عمداً. كنت أضحك في سرّي ، أضحك كثيراً جدّاً. كم هو غبيّ الإنسان الذي يقيس نفسه بما يراه الآخرون فيه، كم هو متواضع التفكير. حريّ بالإنسان في زمننا هذا أن ينظر كثيراً إلى داخله، أكثر مما ينظر إلى من حوله ليعرف من هي ذاته، وماذا تريد، كي لا يأخذه العالم بعيداً عنها، عن نفسه.
الزواج ليس فرصة كما يتصوّرها البعض لبدء حياة، فالحياة، حياة أيّ شخص، قائمة مسبقاً وليست مؤجّلة أو متوقّفة ليكون الزواج مفتاح البدء؛ الزواج استمرار للحياة بمرافقة شخص آخر لم يك موجوداً، شخص نحن فقط من يحدّد مدى ملائمته اعتمادا على أشياء قد تكون سطحيّة، من ضمنها الشكل. يحدث الفشل حين نحكم على كلّ الأشياء، حتّى العميق منها، من الخارج، أو حين يعتمد هو، هذا الشخص المسمّى بالعريس، على كلّ ما يبدو له، متجاهلا عمدا ما يخفى عليه!
 في الصيف الذي سبق حصولي على الشهادة الثانوية، عمّت الأفراح دارنا. رياض اختير لبعثة ما للتخصّص في علم القانون، وتزوّجت لينا بباحث في علوم الكيمياء والذرّة يدعى هشام، سيصطحبها إلى فرنسا حيث يكمل دراساته العليا هناك. أمّا سناء فقد توّجت قصّة حبّها القديمة مع ابن خالي بالزواج والانتقال إلى الريف حيث يعمل مهندساً زراعيّا مشرفاً على الناحية هناك. قد يظنّ البعض أنّ هذه الأحداث المفرحة، قد تُغيّر وجه العائلة إلى الأبد، حسناً، هذا غير صحيح. فالحياة استمرّت كما هي قبل أن يحدث كلّ شيء، فيما عدا توقّف أمّي عن الزيارات شبه اليوميّة التي كانت تقوم بها برفقة أختاي لعرضهنّ على المجتمع! وفراغ سريرين في غرفتي، والكثير من الوقت الهادئ الذي أحتاجه للدراسة، بغضّ النظر عن وجود منغصّات كعبد الرحمن الصغير الذي يطلب منّي أنا حصراً ودائما القيام بواجب تدريسه.
في تلك السنة تحديداً، اتخذت قراري في دراسة الطبّ. لم أخبر بذلك أحداً ولا حتّى جيداء. فظلت أعكف على كتبي أبتلع صفحاتها صفحة صفحة، أدقّق في كلّ شاردة و واردة، أمحّص كلّ شيء وأقضي على أيّ وقت فارغ قد يسوّل لي فيه خاطري النظر إلى المرآة. أنا دميمة، لا ضير في ذلك، لا شيء يبقى على حاله، قناعة أخرى أمدّتني بها الحياة ذات خلوة.
سنة كاملة لم أع فيها إلّا الكتب والمراجع، وأكواب الشاي والقهوة التي كان غالبا ما يحضرها والدي، بنظرة امتنان أخرى، أعظم وأعمق. امتنان أبّ يرى في طفلته، التي لا منفذ لها إلّا ذاتها، قوّة لتجاوز واقع فرض عليها فرضاً. امتنان يتطلّبه مجتمع سطحيّ غارق في إشكاليات يظنّها عميقة ويقصّ عليها المثل الفارغة، بينما هي جزء من قشور منحطّة تافهة ترفع شعارات هوجاء غير معترف بها على أرض الواقع.
كنّا نتحدّث أحياناً، في كثير أو قليل، فيقصّ عليّ قصصاً يراها مضحكة عن تصرّفات عبدالرحمن الهوجاء كمراهق مبتدئ، عن طبخ أمّي الذي بات مالحاً معظم الوقت، وعن أخبار شقيقاتي. وكنت استمع، كنت أستمع لعينه التي تخفي ما لا يودّ قوله، لدقّات قلبه التي تؤوي عطف الدنيا، لرغباته المحمومة في إنقاذي من نهم التغيير الذي أسعى له.
بعد أن أنهيت الامتحانات، وفي يوم لا زلت أذكره، أتاني أبي وفي يده كوبين من القهوة المرّة التي أحبّ. جلس متلعثماً لا يكاد يخفي ما يودّ قوله، أحسست للحظات برغبته في التراجع رغم توقه للحديث، فأشعرته بطمأنينة مشاعري وأنّ، لا شيء مما يقوله هو تحديداً، سيزعجني أيّاً كان. التماع الدمع في عينه وهو يخبرني أنّه راجع طبيب تجميل بشأن أنفي، أوجعتني كثيراً، أشعرتني بالضآلة أمام ما يحتمله من عذاب بشأني. كم أرهق نفسه بعبء ما هو بعبء إنّما شيء عاديّ، كم فكّر وكم حلّل من أفكار وخواطر حتّى وصل إلى هنا لم أعلم. كل ما أعرفه أنني قلت له نعم، سأفعل، من أجلك يا والدي، لكن لا أريدك أن تظنّ أن ذلك، أعني مظهري، مهمّ بالنسبة لي. فوجئت به يخبرني أنّه يراني جميلة، لا بل وأجمل من شقيقاتي، وأنّني حين أتحدّث أو أبتسم يشعر بالفخر المطلق كوني ابنته، فروحي كما قال تطغى على كلّ ما يراه أمامه ويبقى صوتي الذي يخبر عن أشياء عميقة بقدر الحياة هو المسيطر على الموقف.
أسبوعان والضمادات تسكن وجهي. شعرت بقليل من الألم لا أنكر، إنّما كنت أنساه عفواً حين يمرّ بخاطري وجه أبي وتوق روحه لزرع الرضى عن نفسي، في داخلي. لم أصبح جميلة، وهذا قاطع، إنّما لم أعد تلك القبيحة التي تخشى أن ينظر إليها أحد الغرباء بنظرة دهشة أو شفقة أو أيّ شيء آخر.
الألم كلّه، ومشاعر أخرى تبخّرت دفعة واحدة حين أجهش أبي بالبكاء لدى سماعه خبر تفوّقي للمرّة الثانية، وحصولي على المجموع الكامل غير المنقوص في الثانوية. حضنته بقوّة عاطفة كدت أنساها، حضنته بقوّة شديدة وبكيت كما لم أفعل من قبل، بكيت ثمانية عشر عاما من القهر، من كوني لا شيء أو من كوني شيئا بشعا لا يودّ أحد النظر إليه حتّى بغتة. بكيت لأنّني بتّ الأقدر الآن على رثاء حياة قد تضيع لمجرّد دمامة وجهك حيث لا تليق الدمامة بمستوى مجتمعات لم تتعلّم من الإنسانيّة شيئاً. بكيت ثم ضحكت ثم بكيت مجدّدا.
أنا طبيبة الآن، أخبرت والدي، طبيبة بدون أنف بينو كيو. عبارة رسمت البسمة فوق الدمع، والأمل فوق الحسرة. وجه جديد من الحياة سأقابله بنفس القوّة، لكن بعزيمة أكبر وثقة أعمق بقدرتي على الحياة رغم أيّ شيء. أنا لست إنسانة أخرى، أنا هي نفس تلك الفتاة النحيلة الضئيلة، صاحبة الشعر الخفيف والعينين المدوّرتين، بأنف جديد فقط وشهادة تفوّق.
العناية نصف الجمال، هو الشيء الوحيد الذي طالما ردّدته أمي على مسامعي. الآن بتّ أقدر على العناية بنفسي، ليس بمظهري إنّما، بالشيء الذي تعبت جدّا في الحصول عليه، أنا. حظيت بأصدقاء في الجامعة، لكنّ رغبتهم في الحصول على صداقتي لم تكن حقيقيّة، كأنفي تماما. هم يعرفونني كما يرون، وأنا أعرفهم كما أريد. ما أريده كان متابعة مرحلة انتصاراتي المتعطّشة أكثر لإثبات نفسي، لإثبات قدرتي على تجاوز كلّ مفهوم قد يلمّ أحد به.
قلبيّة يا والدي، أخبرته وقت الاختصاص. أريد أن أصبح طبيبة قلبيّة، أريد أن أدرك ماهيّة القلوب البشريّة التي تضجع في دواخلنا دون أندري. أريد أن أغوص في عمقها أن أعرف تفاصيلها بدقّة. هل تشعر قلوب البشر كلّها نفس المشاعر؟ هل تألم قلوب القبيحين كقلوب غير القبيحين بنفس الدرجة؟ كلّها كانت أسئلة غريبة، برسم إجابة عالقة دوما في الهواء، لا جواب لها ولا مجيب.
طبيبة قلبيّة بامتياز مع مرتبة الشرف، في التاسعة والعشرين. كنت أنا، سهام الصغيرة الدميمة، مصدر فخر للعائلة بأسرها، وليس فقط أبي، الذي وضعني كوسام لامع على صدره الفخور، أبي الغالي الذي ساند بضعفه وخوفه عليّ، قوّتي.
لم تتغيّر الحياة عندي، كثيراً. هي ذاتها غير أنّني أصبحت أنضج، وأكثر انشغالاً. العيادة كانت هديّة والداي وإخوتي، وعملي المتواصل في المستشفى لم يدع لي وقتاً بعد لأفكّر في أيّ شيء. مشقّة التفكير توقّفت عند أمّي وحدها، تلك التي كانت تلحظ بعين الناس، أحفادها يكبرون بينما ابنتها هي لم تتوّج بعد، لا بأس أمّاه، لا يعنيني هذا الأمر مطلقاً أخبرتها. وحين خفق قلبي لأوّل مرّة للدكتور توفيق، قمعته بشدّة لا بل وخنقته. أنا لست سلعة في سوق المجتمع، أنا الدكتورة سهام، أخبرت قلبي.
حين ابتسم لي توفيق لأوّل مرّة بعد عمليّة كانت الأخطر في تاريخي المهنيّ، كدت أختفي من الخجل، وكادت الأرض تذوب تحت قدميّ. نقاشاتنا شبه اليوميّة في العمل تحوّلت دون سبب معلوم إلى نقاشات عامّة، عن الطبّ والعلم والناس والمجتمع، عن الليل والألوان وحتّى الأغاني. كانت أحاديثنا تبدأ بسهولة، وتنتهي بسرعة زمنيّة قياسيّة تدهشنا نحن الاثنين. كنا نضحك دون قصد أحياناً حين تتشابه بعض آرائنا أو توجّهاتنا. سهل هو جدّاً الحصول على أشخاص يشبهونك في أشياء كثيرة، يشعرون شيئا مما تشعر به، أو يظنّون ظنّاً طالما خلته حكراً عليك. أحيانا، كلّ الحواجز التي تضعها بينك وبين الآخرين، كعائق يحجبهم عن رؤية ما في داخلك حقّاً، تنهار دون أدنى مقاومة عندما تستشعر القليل من الدفء من قبلهم. الحميميّة أمر غريبٌ جدّاً، يأتي لمرّة واحدة مع شخص واحد، في لحظة واحدة أو، لا يأتي مطلقاً وتبقى الحياة في قلبك تموج بكلّ شيء إلّا الأمان.
ذاك كان شعوري مع توفيق، وللصدفة أو الحظّ لا أعلم، كان شعوره مماثلا اتجاهي. لم يخبرني به، ربّما به لشدّة تحفّظي وانسحابي الدائم في اللحظات الأشدّ دفئا. لكنّني رأيت كامل مشاعره في عين أبي الغالي. أبي، وحين تلقّاني بذراعيه وكأنّ حياة أخرى، جديدة كلّ الجدّة، مُنحت له طوعاً لم يبكِ بل ضحك كأنّ السعادة أثملته، ضحك ورقص وغنّى وأنا غارقة في كامل الخجل ومنتهى السعادة.
أخيراً وجدت إنسانا عرف حقّاً كيف ينظر إلى سهام الحقيقيّة. سهام الروح لا الوجه، سهام العقل لا الجسد. لم يلق من أهله أيّ اعتراض على شكلي، فأنا أنثى استثنائيّة، خلوقة ومحترمة، من عائلة طيّبة للغاية. ولطالما كان همّهم سعادة ابنهم، لذا ناصروا اختياره لي على طول الخطّ.
بعد ساعات سأرتدي الفستان الأبيض، وسأشبك ذراع والدي المعتدّ بي فخراً، ستحيط بي العائلة كلّها، أخواتي وإخواني الفخورين بي. وسأزفّ إلى رجل كان، ولثلاثين عاماً، مجرّد حلم مختبئ في عمق الحياة، في عمق أعماق رغبتي وقلبي.