الشكوة واللاشكوة

موضوع محيّر صراحةً، تتشكوك وتتبكبك وتنق، ولا تضلّك حابسها بقلبك وساكت؟

طبعاً أكيد كلاهما ذو سلبيات، والاختيار غالباً إن لم يكن دائماً يكون لأسباب شخصية بحتة.

شخصياً كنت من روّاد الخيار الثاني في أغلب حياتي، لعدّة أسباب منها حبّي إني كون إنسان إيجابي مبتسم مصدر طاقة إيجابية لكل من حولي، ومنها أني كنت لا أحبب فكرة شرح مشاكلي الشخصية الكبيرة منها أو الصغيرة لشخص (لطيف كفاية حتى يستمع إلي بأذنٍ مُصغية) لكن في الحقيقة لن يكون مهتماً فعلاً بهذه المشاكل، فسأشعر بأنّي سخّفت من قيمتها. عدا عن توجّب شرح تفاصيلٍ تكبر وتصغر لهذا الشخص حتى يستطيع أن يرى أكبر قدرٍ ممكن من الصورة، فيستطيع أن يشاركك الحدث والمشكلة والمشاعر بأكبر قدرٍ ممكنٍ. فمن المؤكد أنّ الهدف الأساسيّ من الشكوى هو مشاركتك الموقف وليس مجرد الاستماع.

ولكن ولأسباب متعددة منها تكالب الظروف في الفترة الأخيرة بشكل مفرط (كما لدى أغلبكم إن لم يكن جميعكم)، ولتوافر صديق مميز استطاع إعطائي الشعور بالتفهّم الّذي أبحث عنه كسرت العادة وتعاطيت البَوح للمرة الأولى، وفي الحقيقة كانت جيدة، جيدة جداً! صِرت أتعاطاها بكثرة، وسريعاً ما أمست عادة شبه يومية، فمن المحظوظ منّا الّذي لا يجد شيئاً يشكو منه؟ فكلّنا أصحاب أتعس حظ، وأسوأ ظروف، والحياة تمشي معاكسةً لنا وكأنّ بيننا ثأر قديم.

وكنّا نتبادل الشكوى، وكنّا نُتقن فن الاستماع والتعاطف، نعزّي بعضنا بمهارة، ودوماً نُعزي سبب المشكلة إلى الآخرين او إلى القدر أحمق الخُطى، فمن المؤكد أنّ أحدنا لم يأت حتى يسمع أنه المُخطئ! كيف أكون المُخطئ وأنا بطلُ فيلمي؟

عشنا صداقة جميلة مريحة، كانت أشبه بثقبٍ أسفل إناء الصبر، مهما كان يُضخُّ فيه من مشاكل، كان هذا الثقب لها بالمرصادِ، فيبقي الإناء غير ممتلئٍ.

رحلُت وانتقلتُ، رحلَ وانتقلَ، فأضعنا بعضنا، ولم يعد أحدنا متوفراً للآخر. أُغلقت ثقوب الأواني، وبتُّ كمن أدمن مخدّراً وفقده. أحتاج إلي جرعتي اليومية ولا أستطيع تحصيلها. بدأت أعراض الإدمان تظهر عليّ، ها أنا تمتلئ مُقَلي بالدموع، تكاد تنفجر، لكن لا أمل، لا يوجد أحدٌ هنا.

بدأت بمحاولة إيجادِ بديلٍ، لكنه أمرٌ مُتعب، لا أريد شرح نفسي ووضعي بالتفاصيل لشخصٍ جديد، لا أُريد نشر مكنوناتي أمام الجميع، لا أريد البحث عن بديل (إن وُجِد) ، فقد يرحل البديل أيضاً، وسأضطر لأن أجد ثالثاً، وعندها سأجد مشاكلي وخصوصياتي تُباع على البسطات.

حاولت أن أعالج نفسي بنفسي، فبِتُّ أُحادِثُ نفسي، وها أنا أُجرّب الكتابة، سأكتب هذه الأفكار لأحذفها بعد شهرٍ أو اثنين، كما سابقاتها ولاحقاتها……..فهذه الخاطرة كما أخواتها، وُلدت لتوأَد.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.