متى يرحل السوريون عن لبنان؟

يكثر النقاش في الفترة الأخيرة عن وجود اللاجئين السوريين في لبنان وضرورة عودتهم إلى سوريا. تصدّر موضوع اللاجئين عناوين الأخبار اللبنانية بدأ مع اجتياح الجيش اللبناني لمخيمات عرسال واعتقاله المئات، ثم وفاة أربع لاجئين وهم رهن الاعتقال، وصولاً إلى عودة بضع مئات من اللاجئين من عرسال إلى مدينة عسال الورد السورية.

السؤال العام المطروح حالياً هو لماذا لم يعد اللاجئون إلى سوريا مع أن الوضع آمن في كثير من المناطق؟ وما أفضل طريقة لحثهم على مغادرة لبنان؟ للجواب على هذه الأسئلة، يجب معرفة لماذا وصل السوريون إلى لبنان من الأصل، وما الذي يحثهم على البقاء في لبنان أو مغادرته.

الفرضية المتداولة بين الإعلاميين والسياسيين اللبنانيين، في صفوف ٨ آذار خاصةً، هي واضحة ومنطقية. السوريون هربوا من الحرب، والحرب تقريباً انتهت، والدليل على ذلك عدم وجود معارك في المناطق السورية المحاذية للحدود اللبنانية، وعدم تواجد داعش والنصرة فيها، وكثرة المناطق الآمنة التي يمكن لللاجئين العودة إليها. إذاً لماذا لم يعد السوريون بعد؟

إن كان يمكن للاجئٍ ما أن يعود بأمان إلى منزله وحياته السابقة، لماذا يبقى في مخيمٍ لا تتوفر فيه مقومات الحياة الأساسية، يعيش معتمداً على مساعدات المنظمات، خائفاً من التوقيف على الحواجز، في بلدٍ ينادي سياسوه بترحيله عنه؟ بقائه في لبنان يعني أن هنالك ما يرغبه بالبقاء أو يرهبه من العودة.

أول حالة لجوء جماعي من سوريا إلى لبنان كانت في أيار ٢٠١١ عندما لجأت عائلات من تلكلخ السورية إلى وادي خالد اللبناني، إثر اجتياح الجيش السوري للمدينة. لم يكن ذلك حدثاً بالغ الأهمية في لبنان، لأنهم لجأوا إلى أقاربهم ولم يحتاجوا أي تدخل من الدولة اللبنانية أو المنظمات الدولية. تزايد عدد اللاجئين حتى وصل إلى حوالي الخمسة آلاف مع بداية ٢٠١٢. في آذار ٢٠١٢ قصف الجيش السوري مدينتي حمص والقصير بالصواريخ، فتدفق عدد كبير من اللاجئين عبر الحدود. كان عدد اللاجئين السوريين في لبنان حسب مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة يقارب ال٣٠ أالفاً في تموز ٢٠١٢.

شهد النصف الثاني من سنة ٢٠١٢ والنصف الأول من ٢٠١٣ أكبر موجات اللجوء. كان مصدرها الأساسي هو حمص والقصير وضواحي دمشق وريفها. كان السبب الرئيسي لهذه الموجات هو إما قصف، أو حصار، أو اجتياح، الجيش السوري لهذه المناطق. كان دخول حزب الله إلى القصير السبب الرئيسي الذي دفع بأهل المدينة للجوء إلى البقاع اللبناني. وكان قصف واجتياح الجيش السوري لمخيم اليرموك هو المسبب الرئيسي لوصول لاجئين فلسطينيين من سوريا إلى لبنان. كل ذلك قبل آن يسيطر تنظيم داعش على مدينة الرقة ويبدأ بتشكيل خطر حقيقي في كانون الثاني ٢٠١٤.

لم يختلف الوضع كثيراً بعد ذلك بالنسبة إلى معظم موجات النزوح من جنوب ووسط سوريا، والسبب كان دائماً النظام السوري وحلفائه. أما شمال سوريا، فمعظم من خرج منه خرج باتجاه تركيا، لكن نسبةً منهم وصلت إلى لبنان. هؤلاء إما خرجوا من حلب إثر اجتياح قوات المعارضة للمدينة، أو من المناطق التي احتلها داعش بشكل كامل، أو من ريفي حلب وأدلب هرباً من البراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات النظام السوري.

معظم اللاجئين خرجوا من منازل مهدمة، أو دمرت منازلهم بعدما غادروها، وفي بعض الحالات استخدمت منازلهم كمأوى لعائلات أخرى، أو كمقرات عسكرية. وفي حالات مثل قرى القصير ومدينة داريا، مناطق بأكملها جيء بسكان جدد لها، ولم يعد لسكانها الأصليين مكان يعودون له.

يضاف إلى من لجؤوا إثر عمليات عسكرية، الشباب الذكور الهاربين من الخدمة الإلزامية في الجيش السوري. فمع ازدياد المعارك، أصبح التجنيد الإجباري مصير معظم الذكور في مناطق سيطرة النظام، والمجندون دوماً ما يجدون أنفسهم في خطوط القتال الأولى، وفي معظم الحالات يقتلون بعد أيام من التحاقهم.

توقف اللجوء السوري إلى لبنان في كانون الثاني ٢٠١٥ مع بدء الحكومة اللبنانية تطبيق قوانين جديدة تقيد دخول السوريين، تزامن ذلك مع توقف مفوضية اللاجئين عن تسجيل لاجئين جدد. وفي أيار من نفس العام، توقفت المفوضية عن تعداد اللاجئين وثبت عددهم عند مليون وخمسين ألف لاجئ. هذا التعداد كان قبل موجة اللجوء الضخمة التي شهدتها أوروبا في صيف وخريف ٢٠١٥ التي أخذت معها الآلاف من سوريي لبنان.


لكي يعود السوريون إلى بلدهم طوعاً، يجب أولاً أن يعالج مسبب لجوئهم، أي من قصفهم أو هجرهم أو اجتاح مدنهم. يجب أن يضمنوا أمنهم، لا من داعش والنصرة ومعارك المعارضة فقط، بل من المخابرات والميليشيات والتجنيد الإجباري أيضاً. لكي يعودوا يجب أن يكون لديهم مكان يعودون له. لا يمكن للاجئٍ من داريا أن ”يعود“ إلى الزبداني مثلاً، فالزبداني أو أي منطقة غير بلدته هي غريبة عنه بغرابة مخيم اللجوء في لبنان. لكي يعودوا يجب أن تُعكس عمليات التغيير الديموغرافي ويُعمل جدياً على إعادة بناء منازل لهم، لا على بناء مشاريع استثمارية في مواقع منازلهم السابقة.

ما يرهب السوريين من العودة هو النظام ومخابرته وحواجزه وجيشه وتجنيده الإجباري. ما يرهبهم هو الدمار الذي حل بمدنهم والإهمال التام لأوضاعهم. ما يرهبهم هو وجود قوى أجنبية كحزب الله وداعش في مدنهم. عندما تتبدد هذه المخاوف، لن ينتظر السوريون مطالبات الإعلام اللبناني بالمغادرة، لأنهم بكل بساطة لن يعود لديهم سبب لتحمل صعوبات العيش في لبنان، وسيعودوا فرحين إلى منازلهم.

حالياً، ما يرّغب السوريون بالبقاء في مخيمات لبنان هو أن هذه المخيمات البائسة ليست سوريا، وعندما سنحت لبعضهم الفرصة للمغادرة إلى تركيا أو أوروبا، ذهبوا سباحةً.

يرحل السوريون عن لبنان عندما تصبح شروط حياتهم في سوريا أفضل من ظروف حياتهم في لبنان. فإما أن يضمنوا تحسن الوضع في سوريا، أو أن يسوء وضعهم في لبنان حتى يصبح أسوء من سوريا. وعلى ما يبدو أن أطراف لبنانية تحاول تجربة الخيار الثاني. فبعد عمليات عرسال، اقتنعت بعض العائلات بالعودة إلى سوريا، بالضبط لأن ما يرهبهم في لبنان أصبح أشد مما يرهبهم في سوريا.

إن كانت الحكومة اللبنانية ترغب بعودة السوريين إلى سوريا، وهي ليست قادرة على تحسين ظروف العودة وتبديد مخاوف اللاجئين، فيجب عليها ببساطة أن ترهبهم، يجب عليها أن تكون نسخة أبشع من النظام السوري. يجب عليها أن تجتاح مخيماتهم وتعتقل رجالهم وتنكل بهم. وعندما تفعل ذلك، يكون لبنان قد ”تسورن“ رسمياً، وسيرضى السوريون بأن يعودوا مطأطأي الرأس إلى ”حضن الوطن“ على أن يكونوا ضحايا تلاميذ النظام السوري مرة أخرى.

أما إذا كانت الحكومة ترغب بعودة طوعية للاجئين من دون الإخلال بحقوق الإنسان، فيجب عليها العمل جدياً على حث الأطراف الدولية والإقليمية واللبنانية على إيجاد حلول لكل ما يعيق هذه العودة. في الواقع، كان عليها أن تبدأ بذلك منذ ٢٠١٢. صحيح أن الكثير تغير منذ ذلك الوقت، لكن مسببات اللجوء مازالت نفسها. ما تغير هو وضع النظام السوري وحاجته الآن لكسب شرعية دولية وعودة علاقاته مع الدول. استعمال مسألة اللجوء لفتح قنوات تواصل رسمية مع النظام السوري بالتأكيد سيفيد النظام، لكنه لن يفيد العودة الطوعية للسوريين بشيء. أي ضمانات قد يعطيها النظام لن تطمئن أحد. التواصل مع النظام ضروري فقط لتنسيق الترهيب. وهذا فقط إن اختارت الحكومة اللبنانية أن تتسورن. وإذا حصل ذلك، لن يرحل السوريون فقط عن لبنان، بل حتى اللبنانيون لن برغبوا بالبقاء في لبنان.