مشوار حياة ..
فى أرضٍ ما وفى وقتٍ ما أفاق باكراً من مُخاض نومه ,أشرق النور فى عينيه ومنهما ,وفى ذروة نشاطه انطلق فى رحلة لَكم كان ينتظرها ومعه جمع من الأهل والأحباب ,ترجّل معهم طريقه الطويل الذى لا يعرف متى سينتهى ولا كيف سينتهى وماذا سيقابله فيه حتى ينتهي ,ومَن مِن هؤلاء المحيطين سيبقى معه أم تُراهم سيتساقطون من حوله كأوراق شجرة فى فصل الخريف لتبقى أغصانه عارية تُناطح صقيع لا قِبل لها به ..! وفى غُرة مشواره رأي فى أفق جانبي الطريق أُناس يقتل بعضهم بعضا لم يدري لما..! وآخرون متجمهرون يتقاتلون وهم يموتون جوعاً وظمأ على طعام ومياة يمنعهم عنهما شخص لا قِبل له بهم ولكنهم يتقاتلوا منشغلون عنه ,واصل سيره فلاحظ ذئاباً تهجم على قطيع شياه وهم مسالمون ومستسلمون لا يحاولون الدفاع ولا حتى الهرب..! ثم أدرك عقله من بعيد أُناس يسفكون دم أطفال ونساء لاحول لهم ولا قوة وآخرون يسلبون ما لديهم .. قال فى نفسه أاتدخل وأحاول الدفاع عنهم .. ولكنه استدرك قائلاً لا قِبل لى وحدي بهؤلاء القتلة ثم أننى مالى وهؤلاء مادمت فى طريقى لم يمسني سوء ,لكنه لا ينكر أن ما رآه ترك فى وجدانه نَدَبات لم يدري لها مبرر ولا مصدر.. تُرى هل هي الإنسانية التى مازال منها بصيص فى قلبه أم أنها جِبلة الأدمي على الأُنس والإجتماعية بغيره , ثم رأي شاشات عملاقة يطل منها غيلان لهم أنياب وقرون كأنهم بنو إبليس يخاطبون كل من تقع عينه عليهم ويخبئون وراء إبتساماتهم أنياباً تستعد لنهش عقول من يصدقهم ,واصل سيره فإذا ببعض الأشرار يتعرضون له ليستلبوه ما لديه من مادة أو عقل أوقلب أو حتى حياة ,تحير أيقاوم ويدافع وهو أعزل أم يستسلم حتى لا يلقى بنفسه فى التهلكة ؟! على أي حالٍ توقف الزمن عند تلك اللحظة وتوقفت معه كل أعضاء جسده ومرت كل ثانية فى سنة ولم يدرك حتى اللحظة ما حدث ولكنه على أي حالٍ تخطى ما حدث .. ثم أدرك بعد فواقه أنه سُلب كل شئ إلا وجدان مشوش وعقل متخبط وقلب مضطرب وبدن بالكاد يحمل أطرافه ,فى جنبات الأُفق رأي نيراناً متفرقة ترتفع تارة وراء أخرى وأدخنة تتصاعد وفوهات بندق تدق فى كل إتجاه ,أتربة تغطى الشمس ,وأشلاء أجساد ورُءوس تتطاير فى الهواء ,أوراقاً نقدية تحملها نسمات ليست من نسمات الطبيعة ,سُحب سوداء تدنو دنواً مخيفاً وكأنها أشباحا ستلتهمه ,وأصوات بلا هوية تخترق أذنيه ,بعضها أصوات استغاثة وبعضها أصوات نباح وبعضها أصوات كرٍ وفر وبعضها لم يحدد ملامحه , غوغاء فى كل صوب ..
ياله من رعب مُقهر وقهر مُرعب, أيعقل أن يكون كابوساً أم تُراها القيامة ؟
فى ذروة اندماجه فى هذا المشهد الأسطورى المُقهر لم يدرك إلا نفسه وحيداً كما حدثه حدسه من قبل .. يال رعبي ..أين ذهب الأهل أين رحل الرفاق ؟! هل ماتوا فى هذه الأهوال ؟ أم سلكوا طرقاً أخرى ؟ هل تركونى رغماً عنهم أم ذهبوا اختياراً ؟! ارتعدت فرائده من هول المشهد .. آهٍ يا قلبي غدوت فى هذا العالم وحدي
لم يكد يرتد إليه طرفه بعد أن قالها حتى لمح الطريق يتشقق تحت قدميه تاركاً فجوات حاول أن يُغالبها مستجمعاً ما بقى فى جسده من طاقة أخذ يقفز من فوق الحُفر بعد أن كان يمشي على أرضٍ مستوية أخذت قدماه تتخبط ,تناقط دمه على الطريق تاركاً خط سيره وراءه ,وفى خضم هذا المشهد عاجلته سيارة من ورائه صدمته ملقيه إياه على جانب الطريق مغشي عليه وانطلقت مسرعة ,مضي زمن لم يتمكن من معرفته ثم أفاق وليس فى جسده جراح ظاهرة أكثر مما كان بها ولكنه يشعر أن بداخله أمر غير طبيعي كوامنه ليست كما كانت مسبقاً ,على مضض طاوعه جسده للقيام مجدداً لاستكمال المشوار ولم يكد يكمل نهوضه حتى فاجأه حجز أسود أُلقي من بعيد وكأنه رصاصة اصطدم برأسه أفقده وعيه مجدداً ومضي زمن طويل طويل هذه المرة دون أن يدركه .. أفاق هذه المرة على يد تمتد نحوه لا لتنال منه كما إعتاد ولكن لتعينه على النهوض ,يخبره صاحبها بابتسامة جميلة أنه يحبه جدا منذ زمن ولا يريد إلا أن يعينه على مُغالبة ما حوله ليكمل معه طريقه ,سكت طويلاً طويلاً ولم يجد بداخله قدرة على إبداء أي رد فعل وكأنه شجرة زُرعت فى أرض قطبية وأحاطتها الثلوج من كل صوب حتى أنك لم تعد تفرق بينها وبين أكوام الثلوج التى تملأ المكان ,يأس صاحب اليد من أن يجد إستجابة فإنصرف ظاناً أنه خذله وهو لا يعلم أنه لم يريد أن يرفض يده ولكن لم يكن يقدر على أن يعانقها لم يدرى لما ولكن هذا ما حدث ,قلبه ينادي بأعلي صوت ولسانه مُكبّل بسلاسل الصمت ,ورحل صاحب اليد كما رحل الآخرون وبقى وحيداً يُغالب واقع كافر , تكرر أمر صاحب اليد مع كثيرين وكانت النهاية واحدة .. ما أقسي نار التخلى .. ما أصعب لهيب الخذلان .. دون فهم أو حتى محاولة الفهم يرحلون ويتملك قلوبهم يقين بأنهم هم المَخذولون وهو.. هو أشبه بمن وقع فى بحر رمال متحركة وغاص حتى عنقه ثم يناديه أحدهم ماداً يده لينتظر أن يتحرك هو تجاهه ثم ينصرف بقمة ندمه أنه مد له يد ..!
استدرك ثم حاول بكل ما فى الكون من مقاومة رفع نفسه ليقوم مجدداً متجنباً حفرة مخيفة كاد يسقط فيها وفى جسده ألف شئ غير طبيعي وهو لا يعرف منهم أي شئ رغم أنه ظاهريا لا يبدو بتلك الحالة المزرية , يشعر أنه كالزجاج كل صدمة تترك فيه شرخا لا يعود بعدها لما كان قبلها وقد يتكسر تماماً بصدمة قوية ولا أمل بعدها فى العودة إلى سابق عهده..
لم ينته الأمر بعدْ ,فقد وقع على بعد أمتار منه انفجار لم يدرى مصدره .. يبدو أنها النهاية .. أظلمت عيناه وتوقف كل شئ فيه إلا وَقع نبضات قلبه تسمعها أُذناه تدق كطبول حرب ما أحمى وطيسها .. مضى وقت طويل كأنه الأبد ,عاد له وعيه ,رفع جبال جفنيه عن عينين تصرخان بصمت مهيب ,لكنه لم يجد فى جسده قدرة حتى على رفع إصبع .. رباه ما هذا المشوار ؟ّ! هل هى النهاية ؟ّ! وكيف تكون النهاية بهذا الشكل؟! ما الذى أتى بى إلى هنا ؟ّ كيف حدث كل هذا ؟ّ وأين ما خططت له وحلمت به ؟! هل أنا هذا الذى أرى ؟ّ
هل هذا الطريق هو الحياة ؟! … هل هذه حياة !
لم يعد عقله يدرك ولا قلبه يشعر ولا جسده يتحرك .. تمرد على هوله , فصرخ فى خياله كما ثورة .. ولكنه سكت فى واقعه كما جبل ..ثم أغمض عينيه إلى الأبد.
إنتهى
#تأملات_قلمي