سنة الانقطاع “الجزء الأول” ما هي ؟.. Gap Year

إذا كنت حديث التخرج في إحدى البلدان العربية، فمن المرجح أنك لا تزال تبحث عن “وظيفة الأحلام” التي راودك طيفها طوال سنوات دراستك الجامعية، فيحدث التالي : تبدأ بإنشاء سيرة ذاتية أنيقة تتبع فيها أهم الإجراءات المتعارف عليها والتي أرشدك إليها محترفو الموارد البشرية، وتتلف جل وقتك متصفحاً مواقع الأعمال وذاهباً آتياً من معرض توظيف إلى آخر، تسأل أهلك وأقرانك عن كل شاغر هم على اطلاع به، تفعل هذا وذاك لعلك تمسك بتلك الوظيفة الوردية وتبدأ بتحقيق أولى أحلام الشباب والصبا. لكن الواقع كما هو الحال مرير، يطلعنا دوماً على أمور لا تتماشى وهوانا، فالحقيقة أن الجامعة غالباً قد وضعتك على خط الصفر، تدرك الآن أنها لم تعطك أية مهارة عملية تكسب منها أو خبرة معينة في إحدى مجالاتها الوظيفية، تدرك الآن حجم الكارثة وحجم الثغرة بين السوق المحلي والعالمي.

ما قرأته سابقاً هو حال الكثير من الأفراد من مشارق الأرض لمغاربها، ليس فقط حال طلاب الجامعات والمعاهد العربية. اتفق الجميع على أن الجامعة مهمتها لا تتجلى في إعطائك مهارة عملية معينة، إنما صقلك وتأهيلك بشكل مبسط في شتى النواحي المتعلقة بمجالك بحيث تصبح لديك “الأرضية” المتينة فقط بدون أية تعمق، تصبح قادراً بعدها على اختيار أي من تلك المجالات والتخصص بها. وهنا يقع معظم الأفراد، بحيث يتوجهون فوراً لسوق العمل يبحثون ويبحثون ثم يعودوا ومعهم جملتهم المعتادة “السوق يريد واسطة ، الشركات تطلب سنوات خبرة لا حصر لها”.

ربما الحل الذي سأطرحه الآن قد يعتقده البعض جلياً واضحاً، وقد يعتقده البعض أمراً نظرياً مثالياً بعيداً عن التطبيق العملي، وستتفاوت فيه الآراء والمقترحات، لكني وعن سابق تجربة أضمن نتائجه التي سأستعرضها إذا ما طُبق بالشكل المناسب.

سنة الانقطاع، أو ما يعرف بالـ Gap Year، تعريفاً هي السنة التي تقضيها فور تخرجك من الثانوية أو الجامعة وتنقطع فيها عن الأسلوب الدراسي الذي اعتدته في السنوات السابقة وتبدأ فيها رحلة البحث عن الذات وترميم الثغرات. ولنتحدث في مقالنا هذا عن السنة التي تلي سنوات الجامعة، على اعتبارها صعبة المنال في محيطنا بعد التخرج من الثانوية.

انه عالم مليء بالفرص، خذ سنة انقطاع.

لو حللنا وجردنا المشكلة التي عرضناها في بداية المقال، سنرى أنها مشكلة “خبرات ومهارات” بالشكل العام، وهنا يأتي الدور الجوهري لسنة الانقطاع، فمهمتك الأساسية أثناءها هي ترميم هذه المهارات التي اكتسبت بعضها في سنوات الدراسة وبناء خبرات جديدة لم تكتشف سابقاً أنها لديك. ولنكن واقعيين، فإن تفرغك لعامٍ كامل تضع فيه وقتك وجهدك على فعل “ما تحبه فقط” فإن كم الإنجازات التي ستصنعها غالباً ما سيكافئ كم الإنجازات التي حققتها في السنوات الثلاث أو الأربع المنصرمة. فلو كنت مهندساً على سبيل المثال، ابدأ ببناء مشاريعك الخاصة والتعلم منها، قم بتحميل كل تلك الدورات التي حفظتها وراكمتها في مفضلة المتصفح، اذهب وابنِ علاقات جديدة في مجالك وتعرف على من سبقوك عدة خطوات وتعلم منهم، تطوع في إحدى الجمعيات أو المنظمات واكتسب بعض مهارات التواصل والتنظيم والإدارة، افعل ما يحلو لك وما ستجد أنه سيؤثر بشكل واضح على مسيرتك المهنية.

القاعدة الذهبية هي أن تبتعد عن كل ما هو نمطي واعتيادي بالنسبة لك، أن تخرج من دائرة الراحة التي اعتدتها طوال سنوات الدراسة، وأن تبدأ وللمرة الأولى غالباً بفعل ما تهوى ومالك به شغف.

يقضي البعض هذه السنة دون أن يحققوا أية عائد مادي، سنة كاملة بدون أية عقود توظيف أو مقابلات عمل، لكن ما توثقه الإحصائيات -تستطيع إلقاء نظرة عليها ببحث سريع على غوغل- أن معظم الذين قاموا بأخذ هذه الفرصة كان لهم مردود أعلى وفرص توظيفية أكبر.

وإن كنت أحد الطلاب المثاليين ممن اجتهدوا بشكل مضاعف أثناء الدراسة، وخرجت عن المألوف والأسلوب لتقليدي لأخذ العلوم، فأنت مرشح لأخذ الوظائف وتوقيع العقود بنسب أكبر من غيرك، لكن انتظر لحظة..فسنة الانقطاع هي حاجة ماسة لك أيضاً، تستطيع قضاءها بالسفر حول العالم أو التطوع في إحدى المنظمات الدولية واكتساب مهارات الحياة التي ستدعم مسيرتك المهنية وتكسبك نظرة أوسع للأمور من حولك وتطلعك على أفكار جديدة تخرج بها عن إطار التفكير الذي اعتدت عليه في الفترة السابقة.

سنة الانقطاع هي مصطلح حديث و نامٍ، ومعظم الشباب حول العالم بدؤوا بالقيام به وأخذ زمام المبادرة، كان هذا المقال عبارة عن مقدمة تعريفية عنه، وسأقوم بالشرح بشكل مفصل أكثر عن تجربتي والدروس المستفادة منها في المقال القادم.

يحوي الرابط المرفق تعريفاً لسنة الانقطاع من ويكيبيديا.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Mohammad Bozo’s story.