كومي والزبيدي

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما كان يصنعه في برنامجه التلفزيوني الشهير (المبتدئ – The Apprentice) الذي اعتاد من خلاله اختبار المتقدمين لوظائف في شركاته يختبر قدراتهم امام الكاميرات بطريقة مذلة علنا ثم يطرد اغلبهم مستخدما عبارته الشهيرة (مطرود You Are Fired)، ومنذ يومه الاول في البيت الأبيض استمر في ممارسة نفس الأسلوب فصار كل من يعمل معه قلقا منذ اليوم الاول لانضمامه الى فريق عمله الرسمي، ويفاقم من خطورة الامر ما هو معروف من تأثير اسرته القوي على مساره الرسمي لقلة خبرته وخبرتهم في شؤون إدارة الدولة، ولكن اسقاط ما كان يفعله في شركاته الخاصة على نهجه الرسمي اصبح مربكا ومحيرا وسيعرض الإدارة وربما العالم لارتدادات خطرة وعميقة.

من حق أي رئيس اختيار فريق عمله شريطة انطباق معايير الدولة وقوانينها عليهم وكان معروفا عن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح انتقاءه الذكي لمساعديه الاقربين مع الحرص الا يكون لهم نفوذا يتجاوز ما يحدده داخل مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية منها والايرادية، فليس من غبار على انه أحاط نفسه بعقول لا يمكن التشكيك بنبوغها ونزاهتها مثل الراحلين العظيمين عبدالكريم الارياني وعبدالعزيز عبدالغني وقد لازماه طيلة سنوات حكمه ودافعا عنه وثبتا اركانه، الى ان قتل عبدالغني في حادثة المسجد الشهيرة عام ٢٠١١ والى ان انفصل عنه الارياني في ٢٠١٢ الى حين وفاته في ٢٠١٥ بأزمة قلبية، كما كان الرئيس السابق يقرب كفاءات يمنية كثيرة الا انه تعمد اغراقها بالفساد ليسيطر عليها مع وجود استعداد نفسي عندها بل وزاد ان قام بشراء ولاءات الكثير من القيادات الحزبية التي كان يتصورها البسطاء عصية وجعل منها وسيلة لاظهار مساوئ العمل الحزبي وانتهازية الكثيرين من قياداته.

ترمب "طرد" قبل أيام قليلة مدير وكالة التحقيقات الفيدرالية كومي ولم يجادل أي من معارضيه في قانونية القرار ووقوعه ضمن اختصاصات الرئيس، لكن الغضب انصب على الهدف المتوخى، وهنا اختلط الخاص بالعام فمن قائل بأنه أراد إيقاف مدير اهم واوقى وكالة فيدرالية في مؤسسة الحكم عن مواصلة تحقيقاته في ارتباطات فريق ترمب بروسيا ومدى عمقها وتأثيراتها على الانتخابات التي اوصلته الى موقع الرئاسة، واخرون يقولون ان "المدير" اثار شكوكا عندهم حول حيدته في التحقيقات وخاصة تلك التي كانت متعلقة بما عرف بقضية "الرسائل الالكترونية لهيلاري كلينتون" ولابد ان كومي سيتحدث قريبا وسيفصل ما يعرفه في حدود ما يسمح له القانون بالتصريح به.

في اليمن أيضا، أتخد الرئيس الأسبوع الماضي قرارا بعزل محافظ عدن عيدروس الزبيدي ومدير الأمن شلال شائع وهو امر يقع ضمن صلاحياته في تعيين وعزل كبار موظفي الدولة وسبق ان قام بمثل هذا قبل اشهر قليلة، ولم يكن الامر مفاجئا لاقرب المحيطين بهادي من الذين يعلمون عدم الانسجام بينهم وعمدوا الـي زيادة الخلافات بينه وبين محافظ عدن السابق وكان من الطبيعي حصول التغيير، لكن ما يثير الاستغراب هو التوقيت الذي جرى فيه اتحاذ الامر وبدأت معه التساؤلات عن ضرورته والهدف منه والاثار المترتبة عليه، ولو تم في ظروف طبيعية وكانت الحكومة تعمل من الداخل لما احس احد به، كما ان اتخاذ القرارات بمعزل عن المناخات والتداعيات المحلية والاقليمية التي تحيط بالمشهد السياسي والاجتماعي والأمني تزيد من عوامل الارتباك والحيرة ولا يساهم في استقرار الاوضاع الإدارية التي تنعكس مباشرة على حياة الناس الذين لا يهتمون بالخلافات الشخصية والسياسية بعد ان بلغت أوضاعهم المعيشية مرحلة الجوع والضنك والخوف.

رأس الدولة – أي دولة – مسؤول عن الدستور يحترمه ويحميه ويستخدمه للمصلحة العامة وينأى به عن الخلافات والمصالح الذاتية وهو ملزم ان يرتفع بمستويات أسلوب الحكم فوق الذاتي وتغليب الموضوعي، وهذا ما يجعله ذو مصداقية وشعبية وطنية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.