خِذْلان

تعبتُ من الخذلان .. متكررٌ هو لا يكل ولا يمل. ماذا يحدث! كل الناس صاروا وحوشًا؟ أم أن العيب فيّ واختياري؟ لازلت ابحث عن اجابة. لا أريد أن تشفي صدري، أريد حقيقة ما في الأمر حتى أعرف مساري فقط. فقد سئمت التخلّي والانكسار، وكرهت الأمل في كل شخص يأتي بوعودٍ معسولة لا تُنفَّذ. يعِد باستمرارية وجوده فتجد عدَمُه!
لا أريد البكاء يوميًا على رحيلهم ،إني أكرهه.

“تبًا لكم، وشكرًا “

كانت تلك النهاية .. تمني التَبّ والخسارة لهم بقدر ما سببوها، والشكر! ولا أعرف لما الشكر .. هل لإظهار تحضرّي ؟ أم العرفان لوجود هوّن الكثير ثم هان. أم أنه امتنان لدرسٍ تعلمته سيتكرر في اللاحق كثيرًا؟! 
لا أعلم .. ربما رغبة في انهاء الأمر بشكل لائق حتى في ظاهرها بكلام معسول كبدايته. لا يهم الآن.


يا عزيزي، ألا تعرف أنّ “المرء مرآة أخيه” ؟ ألم تتفكر لوهلة، أنك قد استحققت ذلك؟ إما أنك سيء بقدرهم أو أنك ظلمتهم ؟ 
لما تتخذ موضع الضحية دائمًا، وتنسى أنك قد تكون جنَيْتُ، ولو لمرة؟ فأنت من اختار، وصاحب، وتركَ مثلما فعلوا .. كان يمكن أن تغلق أبوابك، لتستريح. لكنك اخترت انضمامهم.
لا أريد أن أقسو عليكَ، ولكن أحاول أن أريكَ منظورًا آخر غفلت عنه. لتكتمل الصورة أمامك.


تقول ظلمتهم؟ وكيف ذلك إذنْ؟

حسنًا، هم بشرٌ أيضًا ... أتعرف ماهو عيبُنا الفجّ جميعًا؟ 
سرعان ما نصدّق بني آدم، ونتغافل -عن قصدٍ- أنهم خطاؤون، ليسوا ملاكًا 
والخطأ الأكبر علينا، حين نظن أنهم الخلاص لكل وجعٍ قابلناه، وألمٍ رافقناه .. نظن أنهم طوق النجاة الدائم، وهم إلى زوال.
ظلمتهم حين ظننت أنهم نجاتك، ولا نجاة إلا بك، انتَ وحدك. حين أعماكَ حبّك عن عيوبهم، ولمّا زال العمى .. صُدِمت! وماسبب الصدمة إلا أنت. صدقوا عندما قالوا “ وعين المرء عن كل عيبٍ كليلة” فهي كليلة بعينك يا أخي لا سواك.


قد اتفق معك جزئيًا، لكن يظل الواقع كما هو .. كله خَزلًا ، أتعرف معنى الخَزل عند العرب ؟ 
أن تُحبس وتسجن ، أن يُكسَر ظهرك .. وهذا ما قد حدث تمامًا. لم يتم خذلي فقط، فقد تم انكساري. 
تخيّل عدد مرات الإنكسار التي مررت بها ؟ ومع كل مرة يتم فيها حبسي بين حيطان الخِذلان وألمه، تضلّ روحي ولا تجد نورًا يهديها ويطمئنها!
أما قلبي بات أجوف، يذهبون ويظنون أن الحال سيبقى على مايرام، لايعلمون أنهم يخلّفون وراءهم فجوة سوداء، لن يعالجها أحد.. الأمر هنا ليس في وجود شخصٍ أو رحيله، إنهم جزء من تاريخك، قلبك، وروحك. لن يكون الوضع على مايرام، فقد اقتصوا جزءً منك.. وكيف تكون بخير وأنتَ ناقصٌ إذًا؟!

فلا تحاول اقناعي بأن روحي قامت بظلم نفسها دائمًا، لا تزايد. جميعهم، يرحلون. هل أنا أعمى لدرجة الـ 100% ؟ لا أظن. 
وكيف ليّ أن استنزف نفسي هكذا؟ وأنا أعلم علم اليقين “ولنفسك عليك حق” .. كيف لي أن أعذب روحي عذابًا لا يطاق ؟ 
 يا عزيز.. نحن أنانيون، بطبيعتنا، وصرنا غير مسؤولين عن تصرفاتنا .. 
هاه، في الحقيقة لازلنا أطفالًا، تجد لعبة جميلة لتهوى إليها سريعًا، ومن ثَمّ .. يصيبها الفتور وترميها، فعليًا.
لتركض تجاه لعبة أخرى. ولكن أتعلم؟ لقد ارتقوا في مستوى طفولتهم كثيرًا؛ فليتها كانت لعبة. إنهم أناسٌ وللأسف لديهم مشاعر، قلبٌ وروح!


لست هنا لأجيبك، ولا أعلم حتى ما الحل، كل ما أعرفه أنّي خُزِلت مثلك تمامًا ، وخزَلت.. 
أتفهم شعورك جيدًا، لكنني أكره أن أنظر للوراء دائمًا ، ولا أحب أن اتمركز في دور المغلوب والمجني عليه؛ فقد لعبت دور الجاني كثيرًا حتى وإن لم أشعر. لذا فأنا أعتبر الأمر “سلف ودين”

مقتنعٌ أنا تمام الإقتناع أنّ أية علاقة تشبه معادلة رياضية ذا حدّين! كلاهما لهما دور في ناتجها.. ويجب أن تكون سوية ! يقتضي ذلك أن يكون الطرفان متقاربان.
الترك نتيجة، ومسبباتها الطرفان، لا هو وحده، ولا أنتَ. حتى وإن كان جلّ مافعلته السكون، والترقب دون التحرّك.. فهذا سبب.

أنا أيضًا تعبتُ من هذا الحال، لدرجة أنني لم أعد أنتظر، ولا أبالى بهذا العالم وهؤلاء البشر البتة.. زهدت كل شيء، وجميع البشر. فأصبح قلبي خاوي، لا يفرح إلا إذا أعطيته أمر بذلك! 
عجيب أليس كذلك؟ كلما سألني شخصٌ على حالي، لا أعرف ماهية الإجابة.. لا أشعر بشيء! ولا يستوعبون ذلك.
بل إنّي صرت أخاف هذا السؤال. نعم، أفكر في توابعه، ماذا يريدون؟ خِذلان آخر؟ أم أنها نهاية سلسلة موجعة؟

حقًا، أنا لا أعرف ولا أريد غالبًا .. ولا أحاول أن أزايد أو اجاوب .. أنا هنا لأضع منظور آخر، أو بالأحرى أسبب لك الحيرة، ولكن هذا كله ثمن الوصول، وإن لم نصِل، فقد حاولنا .. أليس هذا مايقولونه دائمًا؟
لنحاول إذنْ.. ولكن احذر أنْ تفتح الباب لمعادلة صفرية من جديد، واحرص على ألا تنتظر النجاة.. فلتنتظر العون فقط. وإن لم يأتي، فالوصول قادم لا محالة، ستصبح وحدك حينها، مثلما جئت إلى هنا في تلك الرحلة العجيبة. 
فاختر مصيرك، أنّي اخترته مسبقًا. ولكلٌ ضريبته.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.