عن التوافق بين الحلول التقنية والسلوك البشري
محاولات الوفاق بين الإنسان والآلة ليست جديدة في مجال تقنية المعلومات، إنما تعود جذورها الى السنوات الأولى من صناعة الحاسبات الآلية وانتشار استخدامها، إلا أن المسميات كانت تختلف وقتها، فقد كانت تجري الأبحاث حول تفاعل الإنسان والآلة تحت مسمى علم النفس في هندسة البرمجيات “Software Psychology”، وقد ظهرت الحاجة لهذه الأبحاث بسبب حجم الاختلاف والتفاوت بين قدرات الإنسان والآلة، وكانت هذه الأبحاث تعنى بدراسة قدرات الإنسان الحسية والذهنية لصناعة حلول تقنية تتوافق مع قدرات الإنسان.
أحد المجالات التي كثرت فيها الدراسات على سبيل المثال هي القدرات البصرية الحسية والذهنية لدى الإنسان، كثرة النظريات والاكتشافات في هذا المجال خلال المئة سنة الماضية كان لها الأثر الكبير في صناعات عديدة مثل شاشات الليد (LED) والشاشات ثلاثية الأبعاد والشاشات المحسنة والشاشات صغيرة الحجم وكذلك الكاميرات وتحسين جودة الصور وكانت حجر الأساس في تصميم واجهات المستخدم للكمبيوتر (قوانين جستال Gestalt) وكذلك معالجة الحركة والتفاعل.
الجدير بالذكر أن معظم النظريات والنماذج والقوانين المستخدمة اليوم في تصميم واجهات المستخدم تعود لمنتصف القرن الماضي، منها قوانين للتنبؤ بسلوك الإنسان مثل قانون هك هايمن، و الذي ينص على أن عدد المحفزات تتناسب طرديا مع الوقت المستغرق لاتخاذ ردة الفعل. إحدى التطبيقات لقانون هايمن تقليل الخيارات للمستخدم في المهام التي تحتاج إلى السرعة في الإنجاز حتى لا تستغرق وقتا أكثر من اللازم، وأخرى تعد نماذج وصفية وتكون طريقة لعرض المشكلة أو الحل بسياق يسهل وينظم التفكير فيها، مثل نموذج ال Key-action والذي يوضح طريقة تفاعل المستخدم مع الكمبيوتر عن طريق لوحة المفاتيح وأنواع الأوامر في لوحة المفاتيح.
بالإضافة لدراسة قدرات الإنسان في التعامل مع الآلة ظهرت دراسات أخرى تعنى بالجانب الإجتماعي وتأثيره على سلوك الإنسان، فقد أدخل بعض الباحثين نظريات من علم الاجتماع كنظرية النشاط لدراسة أي نظام يحدث فيه تفاعل بين الإنسان والآلة بصورة شاملة، وقد أضافت هذه الخطوة في مجال دراسة المستخدم الكثير من الأسئلة والطرق البحثية.
تطورت الأبحاث في مجال العلاقة بين الإنسان والآلة إلى درجة أن الكثير من الباحثين أصبحوا ينفون معظم الأخطاء عن المستخدمين ويعزونها إلى أخطاء في التصميم، أصبحت الشركات تنشئ أقساما خاصة تحت مسمى “تجربة المستخدم” لدراسة تفاعل المستخدمين مع منتجاتها، وأصبحت تسعى لتطوير تطبيقات لاتحتاج إلى جهد يذكر في التعلم ولا تستدعي من المستخدم تذكر الخطوات لإنجاز المهام.
رغم أن المجال يلقى اهتماما واسعا من كبرى الشركات مجال الاتصالات وتقنية المعلومات إلا أنه لا يزال في المهد في وطننا العربي. والأمر الذي يزيدنا احباطا أن أغلب الجهات الحكومية والخاصة لا تدرك أهميته.
رغم أن المفهوم بحد ذاته قديم نسبيا إلا أن تبنيه في عملية تطوير الكثير من التطبيقات التقنية لم يأتي إلا متأخرا، أحد أسباب هذا التأخر هو اعتقاد الكثير من الشركات أن قواعد التصميم عامة وثابتة وهي ليست كذلك وإنما متجددة بتجدد احتياجات المستخدم وطريقة تفكيره، وأن تصميم منتج سهل الاستخدام عملية بديهية بالضرورة، مغفلين بذلك اختلافات لا حصر لها بين المستخدمين.
سبب آخر هو الإعتقاد بأن عملية البحث مكلفة جدا وتأخذ وقتا طويلا، لكن السببين غير دقيقين، ففي الآونة الأخيرة قامت الكثير من الشركات بتطوير خطط بحثية تواكب سير عملية التطوير من ناحية السرعة وهي غير مكلفة تماما.
