أكتوبر، عودة للمسار

Shatha♡
Shatha♡
Nov 3 · 4 min read

مضى وقت طويل مذ دونت يومياتي، تتابع الأيام سريعةً جداً فلا تدع لي مجالاً للاتقاط أنفاسي فضلاَ عن تدوين تفاصيل الأشهر والأيام. اعتمدت على ذاكرتي التي أشعر أنها آخذة بالتردي والخيانة موقفاً بعد آخر. إذ أنها لا تحتفظ بالحدث لأكثر من أيام قليلة، ولست ألومها حقيقةً إذ أننا نعيش في دوامة تتصارع أحداثها لتتخذ مكانها في ذواكرنا وأنفسنا. منذ مدة والكتابة تُلح علي وتُعرض لي في كل وقت، وأستمر أنا بالتسويف بحجة الانشغال والحاجة لوقت فراغ كاف وكوب شاي بالياسمين وهدوء، لكن على الرغم من توفر هذه العوامل كلها مرات كثيرة إلا نني لم أكتب شيئاً، لأنني أدركت فيما بعد أنني أهرب من الكتابة لأنني مشوشة جداً ولا أدري كيف أبدأ ولأنني شخص مثالي جداً، لا يكتب إن لم يكن نتاج الكتابة نصاً بمسحة أدبية يستحق القراءة. عكفت مؤخراً على قراءة مدونة صبية مبدعة تدعى ياسمين، علني أعود إلى الكتابة بإلهام ما. قبل أيام، كنت في ضيق كبير، وأشعر أنني قد استسلمتوفي وقتٍ مبكّر جداً على غير عادتي، وحين كنت أتشارك بعض الهم مع صديقتي، أفضيت إليها فجأةً بعد صمتٍ حائر: لن أشفى إلا بالكتابة! لا أعلم ماذا سأكتب تحديداً لكن في داخلي صوت يصبح أكثر صخباً يوماً بعد يوم. أحمل مفكرتي في حقيبتي كل يوم إلى العمل وإلى الحديقة وإلى المركز التجاري، كمخرج طورئ إذا ما عرضت لي فكرة أو اعتملني شعور، لكن كالعادة، أعود إلى المنزل بخفي حنين..

١٥ أكتوبر، قلبٌ مُعافى

قبل عامين داهمني الحبّ على حين غفلةٍ مني، فصِرت أعيش في دنيا غير دنيا الناس، وأراها بعين قلبي لا بعين رأسي، أضحى كل شيءٍ معزوفةً تُغني لي وحدي وحسب، لا آبه لما يحدث من حولي طالما أن قلبي رائق ومُشرق. ولأن للقدر آراء وأقوال أخرى، وُئد الشعور في ميعة حضرته، فخلّف حياةً في ظل ذكرى مؤرقة، وشعوراً يأبى أن يفارقني بل ويُزاحم كل ما سواه من مشاعر كنت أستحضر بعضها لنسيانه، لكنني فشلت في ذلك كثيراً حتى أذعنت لحقيقة أن سطوة بعض المشاعر أقوى من كل أشكال المقاومة، وأن التقبّل والتّعايش هو أجدى أشكالها. خضتُ كثيراً من الحوارات كنت أنا فيها المتُحدث والمنصِت، وكان الدمع أنيس لياليّ الثقيلات الطويلات. مضت الأيام والحال هو هو، لا حسيس فنتعلل به، ولا جليس فنرتاح إليه. حتى شاء الله أن يوضع حد لهذا الوجدِ كله. خلال العامين المنصرمين، عرفتُ الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، وأستطيع القول أنه شخص استطاع النفاذ إلى سريرتي، نفاذ إياة الشمس إلى المنازل المتأهبة لاستقبال النور. تطرق ذات حلقة في حديثه إلى التفريغ وأهميته، وكيف أننا حين نُخبر الآخرين بما يسوؤنا من تصرفاتهم تجاهنا وما يؤلمنا منهم فنحن حينها لا نطلب منهم معذرةً ولا استعتاباً، وإنما نفعل ذلك لأجلنا نحن، ولنحمي أنفسنا من مغبّة الكتمان وكيلا ندع فُسحةً لسوء الفهم وكما يُقال «خير الأمور أحمدُها مغبّة» لقد أتاح لي يوم الرسائل العالمي أن أتحدث لساعات وساعات دون كلل أو ملل، شعرت في نهاية اليوم الثاني من حديثنا وتجاذِبنا لأهداب الحديث أن قلبي بات قلب طفلٍ صغير لم يعرف الحزن يوماً ولا الضغينة، بل واستحال كل ما فيه جنائن حُبّ، وتفتحت على نوافذه زهور وريايحن، إذ أنني بت خالية من الملامة الآن. لقد كان حديث عقل وقلب معاً بعد ما أشجاني طُغيان حديث القلب طويلاً. لم أتخيل أن تتاح لي هذه الفرصة مجدداً، ولكنني ممتنة ليوم الرسائل العالمي ومصادفاته العذبة. لا أنكر أنني تمنيت لو طال الحديث أكثر بعد، ولكن أخذ قلبي وعقلي حينها بإرسال إشارات تحذيرية تدفعني للتوقف لأن عاقبة المتابعة وخيمة. نمت يومها قريرة العين خالية النّفس مرتاحة القلب..

٣١ أكتوبر، عصفور طيّار

آخر ثلاثاء من شهر أكتوبر كان مأساوياً ودرامياً بامتياز. تعطل حاسوبي وشُللت عن إنجاز أدنى عمل، لاسيما وأن احتمالية فقداني لكل ما فيه كانت تلوح في الأفق. يومان كاملان هربت فيهما إلى أحضان النّوم. تلبّسني اكتئاب شديد لم أستطع معه البكاء حتى، كانت تجتاحني رغبةٌ عظيمة في لوم كل ما حولي من إنس وجانٍ وجمادات على ما حدث لي، لقد كنت عاجزةً تماماً، وإلقاء اللوم يمنةً ويسرةً على من له صلة ومن ليس له، يمنحك شعوراً بالتخفف والسببية، وبالتالي، شيء من الطمأنينة. المصائب لا تأتي فرادى والأحزان لا تأتي إلا جماعات. الخميس، ختام شهر أكتوبر، صادف آخر يوم تدريب لصديقتي في المكان الذي أعمل فيه، فعزمنا على الاحتفاء بهذا الإنجاز وزيارة أماكن جديدة في المدينة والتجوّل في الشوارع سيراً على الأقدام، وقضاء ليلةٍ خاليةٍ من كل أشكال البؤس والحديث عنه. توجهنا إلى منزلها، تناولنا طعام الغداء رفقة والدتها وتسامرنا قليلاً ثم ذهبنا إلى أكثر مناطق المدينة سِحراً ورقّة. ائتلف الحظ يومها فكان النسيم عليلاً رقيقاً يجبر القلب ويُطيّب الخاطر ويُراضي المزاج. دلفنا إلى أحد المطاعم التي تتخذ طابعاً لبنانياً. كان المطعم أنيقاً هادئاً، تُحاكي تفاصيله كل ذكرياتك، كلا على حدة. من يتأمل دقائق التصميم والأثاث والألوان المنتقاة بعناية، يعرف كم أن صاحبه شخص حالم وعتيق، وكل المجد للناس العتيقة! بقينا هناك ساعتين ونصف، تحدثنا خلالهما ما شاءت لنا دفة الأحاديث أن نسير. خرجنا إلى الشارع مجدداً لمزيد من الاستمتاع بنسائم الخريف وحنانها الذي يقع ما إن يُداعب الوجه حتى يملك عليك نوازع قلبك! ثم قفلنا عائدين إلى المنزل. وهناك، أعددنا شاياً وبعض المكسرات للتسلية وحلقة من مسلسل تافه نشاهده حين نرغب في الدخول إلى منطقة العقل الفارغ. كانت التجربة مبهجةً جداً سيما أنني أعيش في هذه المدينة منذ أبصرت النور، ولكنني لم أذهب إلى تلك الأماكن قبلاً إلا مرور كرام. أعتقد أنها ستكفيني زاداً لبواقي أيام شهر نوڤمبر..

مازال هناك الكثير، أُخبركم به في التدوينة المقبلة..🌿

    Shatha♡

    Written by

    Shatha♡

    Translator. Editor. Passionate reader. Language learner. Tea lover. Knowldege seeker.

    Welcome to a place where words matter. On Medium, smart voices and original ideas take center stage - with no ads in sight. Watch
    Follow all the topics you care about, and we’ll deliver the best stories for you to your homepage and inbox. Explore
    Get unlimited access to the best stories on Medium — and support writers while you’re at it. Just $5/month. Upgrade