حافلاتُ “ستْكار” .. الصفقةُ المغشوشة

Walid Mejri
Sep 4, 2018 · 7 min read

هي حكاية متشعبة ومعقدة ولكن نتيجتها واضحة وبسيطة: صفقة فاسدة عرت وجود حوكمة غير حكيمة وإهدار للمال العام وسوء تصرف في موارد شركة عمومية، حيث ماتزال «شركة نقل تونس» تلاحق حافلات مستوردة لم يحترم صاحبها ما ورد في العقد من جوانب تقنية دقيقة, ما ترتب عنه تكبّد الشركة خسارة مادّية فضلا عن تعطيلات إدارية ولوجستية لا تلوح لها نهاية.


تحقيق من اعداد جهاد الكلبوسي بدعم من مركز تطوير الاعلام بالشراكة مع منظمة طومسون رويترز في اطار برنامج ثروات الأمم.


حافلات شركة ستكار المملوكة لرجل الاعمال فريد عبّاس

تندرج هذه الصفقة في اطار تدعيم أسطول الشركات الوطنية والجهوية للنقل ب 1133 حافلة جديدة، حيث تم بمقتضى قرار رئيس الحكومة المؤرخ في 7 جويلية 2015 عقد صفقة عامة (بعد اجراء طلب عروض) مع المجمع « ستكار » لمالكه رجل الأعمال التونسي فريد عباس، لاقتناء 597 حافلة من نوع « VOLVO »، وكان نصيب « شركة نقل تونس » العمومية 494 حافلة موزعة على فئتين الأولى تهم 277 حافلة عادية والثانية 217 حافلة مزدوجة بمبلغ جملي يساوي 180 مليون و 506 الف دينار، في حين تعلقت بقية الحافلات بشركات عمومية أخرى ليست محور تحقيقنا الحالي .

تم الى حدود 13 جويلية 2017 تسليم 30 حافلة غير أنه وقع التفطن الى احتوائها على العديد من العيوب الفنية عند توزيعها على الأقاليم بعد دخولها الاستغلال الفعلي وذلك استنادا الى التقارير والمحاضر الداخلية المرفوعة في الغرض صلب الشركة.

هذه المستجدات أربكت الصفقة وكادت أن تعصف بها, ولم يتم تجاوز هذا الفصل الأول من الأزمة الا بعد عقد جلسة عمل بين ممثلي شركة « ستكار » من جهة وأعضاء اللجنة المكلفة بالمتابعة من جهة ثانية, ليسفر هذا اللقاء عن تعهد المزود بإدخال تحسينات على 10 حافلات من مجموع 30 حافلة على ان يعمّمها على بقية الحافلات وعددهي وقد شُفعت هذه الدفعة الأولى بدفعة ثانية متكوّنة من 10 حافلات سنأتي على توضيح تفاصيلها وملابسات استلامها لاحقا.

مسلسل الأزمة لم ينته عند ذلك الحد حيث تواصلت فصولها وتكشفت تفاصيلها أكثر فأكثر بعد أن تم تسجيل عيوب جديدة (سنأتي على ذكرها بالتفصيل طي هذا التحقيق) عند دخول هذه الحافلات الموزعة على الأقاليم للاستغلال الفعلي, وهي عيوب تم اكتشافها بعد تهاطل الأمطار حيث تسربت كميات كبيرة من المياه الى داخل جميع الحافلات عبر الأبواب والنوافذ ومنافذ التهوئة العلوية.

وفي إطار البحث عن حلول اقترح المزود استعمال مادة السيليكون وهو حل لم تصادق عليه اللجنة المكلفة بالمتابعة واعتبرته غير جذري ما جعل عمر الأزمة يتمدد ويتواصل على مدى سنتين من الزمن.


غرافيك التطوّر الزمني لمسار الصفقة المغشوشة

الرجاء الضغط على الغرافيك، ثمّ الضغط على النقاط السوداءلتتبّع مسار الصفقة.

بالعودة الى ما أسميناه سابقا ب”مسلسل الأزمة” فانّه من الضروري تقفّي أصل المشكل والوقوف عند جملة الاخلالات الفنيّة التي أدّت الى فساد الصّفقة أو فلنقل -في هذا المستوى- عدم مطابقتها لما ورد في كرّاسات الشروط من نقاط فنّية صارمة. بمعنى أوضح، لابدّ من طرح السؤال على النحو التالي : من المسؤول عن حصول مثل هذه الاخلالات الفنيّة ؟ ضعف الرقابة أم أنّ وراء الأمر أسبابا أخرى؟

الاجابة ألفيْناها بين صفحات تقرير أعدّته ادارة التفقد العام ب”شركة نقل تونس”. حيث يشير التقرير صراحة الى أنّ اللجنة المكلفة بالمتابعة اكتفت بإجراء عملية مراقبة لهيكل واحد chassis رقمه 183228 في حين ان الفصل السابع من عقد الصفقة نصّ على متابعة مراحل تصنيع الحافلات ومراقبة جودة المواد المستعملة ومدى تطابقها مع مقتضيات العقد الخاص بالصفقة عدد 193- 16.

و بالاستناد الى جملة المحاضر المستقاة من ادارة التفقد العام صلب شركة نقل تونس العمومية فإنّ اللجنة المكلفة بالمتابعة لم تلتزم بمتابعة مراحل تصنيع ومراقبة جودة المواد المستعملة لما تبقّى من هياكل الحافلات المستلمة والتي يناهز عددها 39 حافلة (تمّت متابعة حافلة واحدة من أصل 40 حافلة تمّ استلامها بحساب 30 حافلة الاولى مع 10 حافلات في مرحلة لاحقة).

رجل الاعمال التونسي فريد عباس صاحب شركة ستكار

رجل الأعمال التونسي فريد عباس صاحب مجمع “ستكار” أجاب خلال مواجهة جمعتنا به بتاريخ 18 ماي 2018 :

“قمنا الى حد الان بتسليم الحصة الاولى المقدرة بـ 73 حافلة عادية ولكن حدث إشكال على مستوى الحافلات المزدوجة بعدما اتضح ان هناك مادة مستعملة في الحافلة غير مطابقة للمواصفات.”

تصريحات عبّاس تجاهلت تماما جملة الاخلالات والعيوب التي طرأت على الحافلات العاديّة ولم تعترف الّا بالعيوب (وصفها بالاشكال) التي طرات على الحافلات المزدوجة.

العزفُ على ايقاع الاخلالات رافق الصفقة من مرحلة التصنيع الى مرحلة التسليم. فقد شابت عملية استلام الحافلات العديد من الخروقات والاخلالات انطلقت بمخالفة مقتضيات الفصل 15 من العقد على اعتبار أنّ اللجنة المكلفة بالمتابعة لم تنصّ -أو تكتّمت- في محاضر الاستلام على تحفظاتها حول عدم التزام المزوّد بتسليم جميع الاكسسوارات المنصوص عليها بالفصل المذكور مع كل حافلة يتم استلامها.

الجدول المفترض لتسليم أقساط الحافلات في اطار الصفقة المبرمة بين شركة نقل تونس وشركة ستيكار

ورغم استلام اللجنة المكلفة بالاستلام لـ30 حافلة بين شهري ماي وجويلية 2017 بدون احترازات تذكر فقد ثبت تكرّر وجود العيوب ذاتها في كل حافلة أثناء توزيعها على الأقاليم بين 11 و13 سبتمبر 2017 قبل دخولها حيّز الاستغلال الفعلي بعد ان ظلّت رابضة بمستودع بن عروس جنوب العاصمة.

وتتمثل العيوب في تشقق الألواح وسوء تثبيتها بالسقف و الجانبين وسوء تثبيت أذرع المرآة العاكسة والقضبان الحديدية من جانب السائق.

أعطاب كثيرة تمّ اكتشافها في الحافلات

وأمّا فيما يتعلّق بالعيوب المسجلة بعد دخول الحافلات حيز الاستغلال فقد تمثلت في تسجيل تسرّب للمياه داخل جميع الحافلات من ثلاث جهات وهي الأبواب والمنافذ الجانبية ومنافذ التهوئة الفوقية. ولمعالجتها تم تركيز واقي حديدي علوي مع تدعيم الفضاء الفاصل بين منفذ التهوئة وسقف الحافلة بفاصل سيليكوني لمنع تسرب المياه. اجراءاتٌ استثنائية لم ترُقْ للهيكل النقابي صلب “شركة نقل تونس” اذ اعتبرها عدد من النقابيين “اجراءات ترقيعية للتغطية على فساد الصفقة وحجب المسؤوليات”.

وحسب تقرير ادارة التفقد العام (هيكل رقابي صلب شركة نقل تونس) فانّ عيب تسرب الماء شمل جميع الحافلات المستلمة اي بنسبة 100 بالمائة وهو ما تؤكّده المعطيات الواردة في المراسلة الداخلية الصادرة عن مدير إدارة صيانة الحافلات.

وللاشارة فانّ الفصل 20 من عقد الصفقة ينصّ على أنّ “المزوّد يتكفّل، على كاهله، (أي بشكل مجاني) بتغيير أيّ قطعة يطرأ عليها عيب يمسّ 5 بالمائة من مجموع الحافلات المستلمة على أن لا يقلّ عددها عن 3 وذلك خلال فترة الضمان الممتدّة على 18 شهرا بعد الاستلام الوقتي”.

ولكيْ تكتمل الصورة ويتحقّق المثل الفرنسي القائل “أبدا اثنان دون ثالث”، فقد شُفعت الاخلالات الفنّية واخلالات التسليم بصنف ثالث من الاخلالات تعلّق بالجانب المالي. وتمثلت الاخلالات المالية في عدم خصم الادارة المالية صلب شركة نقل تونس لمبلغ معلوم تسجيل العقد (902534.015 دينار) مثلما ينص عليه الفصل 68 من مجلة معاليم التسجيل والطابع الجبائي. ولم تشرع الادارة في إجراءات الخصم الا بتاريخ 11 أوت 2017.

أحد محاضر الاتفاق بين شركة نقل تونس وشركة ستكار من أجل ايجاد حلّ للأزمة

كما لم يلتزم المزوّد بآجال العشرين يوما المنصوص عليها بالفصل 10 من عقد الصفقة لايداع الضمان النهائي، حيث تمّ خلاص مجمّع “ستكار” في الثلاثين حافلة الاولى دون استيفاء الإجراءات المنصوص عليها بالفصل عدد 15 من العقد. اذ تمّ خلاص المزوّد في الحافلات الثلاثين المذكورة عبر 4 فواتير بين 22 ماي و 14 أوت 2017 دون طرح المبالغ المتعلّقة ب”الحجز بعنوان الضمان” والمقدّرة ب10 بالمائة رغم عدم تقديم المزوّد لوثيقة “الحجز بعنوان الضمان” والتي تمّ ايداعها لاحقا بتاريخ 4 ديسمبر 2017، في خرق واضح للفصل 11 من العقد المنظّم للصفقة بالاضافة الى ما ينصّ عليه الامر عدد 1093 لسنة 2014 المنظّم للصفقات العمومية.

بلغة الأرقام فانّ الضرر المالي الذي طال الشركة تمثّل في تكبّدها لخسارة تقدّر ب902534.015 دينار (معلوم التسجيل) بالاضافة 718212.000 دينار وهو مقدار المبلغ غير المبرّر الذي تمّ صرفه للمزوّد دون وجه قانوني.

خلال مواجهة الادارة المالية وادارة كتابة لجان الصفقات ومراقبة المصاريف بجملة هذه الاخلالات وسؤالها عن سبب حصولها كانت الاجابات مرتبكة وتدور في فلك “لقد وقعت تسوية هذه الوثائق في الآجال” و “الحاجة لم تستدع تفعيل وثيقة الضمان”. تصريحات تمّ تفنيدها عبر جملة المعطيات الواردة أعلاه والتي تمّ توثيقها عبر تعقيب رسمي أرسلته ادارة التفقد العام صلب “شركة نقل تونس”، وهي ادارة تحتلّ مكانة أرفع من بقية الادارات الأخرى صلب الشركة على اعتبار أنّها تلعب دور “خليّة التحقيقات الداخلية”.

جملة الاخلالات المتعلّقة بالجانب المالي مثّلت القشّة التي قصمت ظهر الصفقة وجعلت رائحة سوء التصرّف فيها تزكم الأنوف خاصّة بعد تعطّل تسليم ما تبقّى من الحافلات ودخول فريد عبّاس صاحب الشركة المزوّدة “ستكار” على خطّ الهجوم معتبرا أنّه هو “المتضرّر الأساسي” من التعطيلات التي شملت اتمام الصفقة لا “شركة نقل تونس” العمومية التي مازلت تنظر بعيون ذابلة الى حافلاتها ترقد في المستودعات دون القدرة على ادخالها حيّز الخدمة.

وزارة النّقل ظلّت على مدى فترة طويلة متخفّية وراء موقف شركة نقل تونس الراجعة لها بالنّظر. غير أنّ الوزير وجد نفسه مطالبا ببلورة ردّ واضح في مارس 2018 على اثر أسئلة كتابية من قبل أحد نوّاب البرلمان حول اجراءات التدقيق والتفقّد بخصوص التجاوزات المسجلة في صفقة اقتناء حافلات لحساب شركة النقل العمومية.

وجاء في ردّ الوزير أنّ “عدد الحافلات العادية التي تم تسلّمها بلغ 57 حافلة فقط من جملة 148 حافلة (ارتفع العدد الى 73 بعد أخذ التصريح بفترة) كان من المبرمج تسلّمها باتفاق مع المزود على دفعات خلال سنة 2017 (83 عادية و65 مزدوجة).

وأكّد الوزير أنّهتم التفطن في قسط من الحافلات العادية الى وجود عيوب مثلت جملة من الاحترازات الموثقة بتقارير لجنتي المتابعة والاستلام تم تداركها من طرف المزود ليتم لاحقا قبول الحافلات المذكورة دون احترازات.

اما بالنسبة الى القسط الثاني والمتعلق بالحافلات المزدوجة فقد رفضت “شركة نقل تونس” ورغم عديد المراسلات من قبل صاحب الصفقة فريد عبّاس تسلمها بسبب “ادخال المصنّع تحويرا فنيا على أنابيب تبريد المياه مغايرا للخاصيات الفنية المضمّنة بكراس الشروط والعرض الفني المقدم من قبل المزوّد”.

وقد تمسّكت شركة نقل تونس -وفق الوزير- بهذا الموقف الى حين رفع هذا التحفظ في اطار التشريع الجاري به العمل (الفصل 11 من العقد الخاص المنظّم للصفقة بالاضافة الى ما ينصّ عليه الأمر عدد 1093 لسنة 2014 المنظّم للصفقات العمومية) ومصادقة كل الهياكل ذات النظر وفق ما ورد في ردّ الوزير.

وتجدر الاشارة الى أنّ الهيئة العليا للطلب العمومي (هيئة وطنية ملحقة برئاسة الحكومة متخصّصة في متابعة ومراقبة الصفقات العمومية في تونس) كانت قد أوصت شركة نقل تونس، بتاريخ 26 جانفي 2018، ب”اتخاذ التدابير اللازمة قصد الحفاظ على حقوقها ومواصلة تنفيذ عقد الصفقة”.

Welcome to a place where words matter. On Medium, smart voices and original ideas take center stage - with no ads in sight. Watch
Follow all the topics you care about, and we’ll deliver the best stories for you to your homepage and inbox. Explore
Get unlimited access to the best stories on Medium — and support writers while you’re at it. Just $5/month. Upgrade